..,, سلمان الفارسي ( الباحث عن الحقيقة ) .,,,

الموضوع في 'إستراحة المنتدى' بواسطة yoyo1983, بتاريخ ‏14 مايو 2008.

  1. yoyo1983

    yoyo1983 عضو نشط

    التسجيل:
    ‏22 ابريل 2007
    المشاركات:
    22,658
    عدد الإعجابات:
    22
    مكان الإقامة:
    DaMBy
    سلمان الفارسي ( الباحث عن الحقيقة )

    من بلاد فارس، يجيء البطل هذه المرة..
    ومن بلاد فارس، عانق الاسلام مؤمنون كثيرون فيما بعد، فجعل منهم أفذادا لا يلحقون في الايمان، وفي العلم.. في الدين، وفي الدنيا.
    وانها لاحدى روائع الاسلام وعظمائه، ألا يدخل بلدا من بلاد الله ويثير في اعجاز باهر، كل نبوغها ويحركّ كل طاقاتها، ويخرج خبء العبقرية المستكنّة في أهلها وذويها.. فاذا الفلاسفة المسلمون.. والأطباء المسلمون.. والفقهاء المسلمون.. والفلكيون المسلمون.. والمخترعون المسلمون.. وعلماء الرياضة المسلمون..
    واذا بهم يبزغون من كل أفق، ويطلعون من كل بلد، حتى تزدحم عصور الاسلام الأولى بعبقريات هائلة في كل مجالات العقل، والارادة، والضمير.. أوطانهم شتى، ودينهم واحد..
    ولقد تنبأ الرسول عليه السلام بهذا المد المبارك لدينه.. لا بل وعد به وعد صدق من ربه الكبير العليم.. ولقد زوي له الزمان والمكان ذات يوم ورأى رأي العين راية الاسلام تخفق فوق مدائن الأرض، وقصور أربابها..
    وكان سلمان الفارسي شاهدا.. وكان له بما حدث علاقة وثقى .
    كان ذلك يوم الخندق. في السنة الخامسة للهجرة. اذ خرج نفر من زعماء اليهود قاصدين مكة، مؤلبين المشركين ومحزّبين الأحزاب على رسول الله والمسلمين، متعاهدين معهم على أن يعاونوهم في حرب حاسمة تستأصل شأفة هذا الدين الجديد.
    ووضعت خطة الحرب الغادرة، على أن يهجم جيش قريش وغطفان "المدينة" من خارجها، بينما يهاجم بنو قريظة من الداخل، ومن وراء صفوف المسلمين، الذين سيقعون آنئذ بين شقّى رحى تطحنهم، وتجعلهم ذكرى..
    وفوجىء الرسول والمسلمون يوما بجيش لجب يقترب من المدينة في عدة متفوقة وعتاد مدمدم.
    وسقط في أيدي المسلمين، وكاد صوابهم يطير من هول المباغتة.
    وصوّر القرآن الموقف، فقال الله تعالى:
    (اذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم واذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا).
    أربعة وعشرون ألف مقاتل تحت قيادة أبي سفيان وعيينة بن حصن يقتربون من المدينة ليطوقوها وليبطشوا بطشتهم الحاسمة كي ينتهوا من محمد ودينه، وأصحابه..
    وهذا الجيش لا يمثل قريشا وحدها.. بل ومعها كل القبائل والمصالح التي رأت في الاسلام خطرا عليها.
    انها محاولة أخيرة وحاسمة يقوم بها جميع أعداء الرسول: أفرادا، وجماعات، وقبائل، ومصالح..
    ورأى المسلمون أنفسهم في موقف عصيب..
    وجمع الرسول أصحابه ليشاورهم في الأمر..
    وطبعا، أجمعوا على الدفاع والقتال.. ولكن كيف الدفاع؟؟
    هنالك تقدم الرجل الطويل الساقين، الغزير الشعر، الذي كان الرسول يحمل له حبا عظيما، واحتراما كبيرا.

    تقدّم سلمان الفارسي وألقى من فوق هضبة عالية، نظرة فاحصة على المدينة، فألفاها محصنة بالجبال والصخور المحيطة بها.. بيد أن هناك فجوة واسعة، ومهيأة، يستطيع الجيش أن يقتحم منها الحمى في يسر.
    وكان سلمان قد خبر في بلاد فارس الكثير من وسائل الحرب وخدع القتال، فتقدم للرسول صلى الله عليه وسلم بمقترحه الذي لم تعهده العرب من قبل في حروبها.. وكان عبارة عن حفر خندق يغطي جميع المنطقة المكشوفة حول المدينة.
    والله يعلم ، ماذا كان المصير الذي كان ينتظر المسلمين في تلك الغزوة لو لم يحفروا الخندق الذي لم تكد قريش تراه حتى دوختها المفاجأة، وظلت قواتها جاثمة في خيامها شهرا وهي عاجزة عن اقتحام المدينة، حتى أرسل الله تعالى عليها ذات ليلة ريح صرصر عاتية اقتلعت خيامها، وبدّدت شملها..
    ونادى أبو سفيان في جنوده آمرا بالرحيل الى حيث جاءوا.. فلولا يائسة منهوكة..
    خلال حفر الخندق كان سلمان يأخذ مكانه مع المسلمين وهم يحفرون ويدأبون.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يحمل معوله ويضرب معهم. وفي الرقعة التي يعمل فيها سلمان مع فريقه وصحبه، اعترضت معولهم صخور عاتية..
    كان سلمان قوي البنية شديد الأسر، وكانت ضربة واحدة من ساعده الوثيق تفلق الصخر وتنشره شظايا، ولكنه وقف أمام هذه الصخرة عاجزا.. وتواصى عليها بمن معه جميعا فزادتهم رهقا..
    وذهب سلمان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذنه في أن يغيّروا مجرى الحفر تفاديا لتلك الصخرة العنيدة المتحدية.
    وعاد الرسول عليه الصلاة والسلام مع سلمان يعاين بنفسه المكان والصخرة..
    وحين رآها دعا بمعول، وطلب من أصحابه أن يبتعدوا قليلا عن مرمى الشظايا..
    وسمّى بالله، ورفع كلتا يديه الشريفتين القابضتين على المعول في عزم وقوة، وهوى به على الصخرة، فاذا بها تنثلم، ويخرج من ثنايا صدعها الكبير وهجا عاليا مضيئا.
    ويقول سلمان لقد رأيته يضيء ما بين لا بتيها، أي يضيء جوانب المدينة.. وهتف رسول الله صلى الله عليه وسلم مكبرا :
    "الله أكبر..أعطيت مفاتيح فارس، ولقد أضاء لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وان أمتي ظاهرة عليها "..
    ثم رفع المعول، وهوت ضربته الثانية، فتكررت الظاهرة، وبرقت الصخرة المتصدعة بوهج مضيء مرتفع، وهلل الرسول عليه السلام مكبرا :
    "الله أكبر.. أعطيت مفاتيح الروم، ولقد أنار لي منها قصورها الحمراء، وان أمتي ظاهرة عليها".
    ثم ضري ضربته الثالثة فألقت الصخرة سلامها واستسلامها، وأضاء برقها الشديد الباهر، وهلل الرسول وهلل المسلمون معه.. وأنبأهم أنه يبصر الآن قصور صنعاء وسواها من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية الله يوما، وصاح المسلمون في ايمان عظيم :
    هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله..
    كان سلمان صاحب المشورة بحفر الخندق.. وكان صاحب الصخرة التي تفجرت منها بعض أسرار الغيب والمصير، حين استعان عليها برسول الله صلى الله عيه وسلم، وكان قائما الى جوار الرسول يرى الضوء، ويسمع البشرى.. ولقد عاش حتى رأى البشرى حقيقة يعيشها، وواقعا يحياه، فرأى مداءن الفرس والروم..
    رأى قصور صنعاء وسوريا ومصر والعراق..

    رأى جنبات الأرض كلها تهتز بالدوي المبارك الذي ينطلق من ربا المآذن العالية في كل مكان مشعا أنوار الهدى والخير..
    وها هو ذا، جالس هناك تحت ظل الشجرة الوارفة الملتفة أمام داره "بالمدائن" يحدث جلساءه عن مغامرته العظمى في سبيل الحقيقة، ويقص عليهم كيف غادر دين قومه الفرس الى المسيحية، ثم الى الاسلام..
    كيف غادر ثراء أبيه الباذخ، ورمى نفسه في أحضان الفاقة، بحثا عن خلاص عقله وروحه..
    كيف بيع في سوق الرقيق، وهو في طريق بحثه عن الحقيقة..؟؟
    كيف التقى بالرسول عليه الصلاة والسلام.. وكيف آمن به..؟؟
    تعالوا نقترب من مجلسه الجليل، ونصغ الى النبأ الباهر الذي يرويه..
    كنت رجلا من أهل أصبهان، من قرية يقال لها "جي"..
    وكان أبي دهقان أرضه.
    وكنت من أحب عباد الله اليه..
    وقد اجتهدت في المجوسية، حتى كنت قاطن النار التي نوقدها، ولا نتركها نخبو..
    وكان لأبي ضيعة، أرسلني اليها يوما، فخرجت، فمررت بكنيسة للنصارى، فسمعتهم يصلون، فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فأعجبني ما رأيت من صلاتهم، وقلت لنفسي هذا خير من ديننا الذي نحن عليه، فما برحتهم حتى غابت الشمس، ولا ذهبت الى ضيعة أبي، ولا رجعت اليه حتى بعث في أثري...
    وسألت النصارى حين أعجبني أمرهم و صلاتهم عن أصل دينهم، فقالوا في الشام..
    وقلت لأبي حين عدت اليه: اني مررت على قوم يصلون في كنيسة لهم فأعجبتني صلاتهم، ورأيت أن دينهم خير من ديننا..
    فحاورني وحاورته.. ثم جعل في رجلي حديدا وحبسني..
    وأرسلت الى النصارى أخبرهم أني دخلت في دينهم وسألتهم اذا قدم عليهم ركب من الشام، أن يخبروني قبل عودتهم اليها لأرحل الى الشام معهم، وقد فعلوا، فحطمت الحديد وخرجت، وانطلقت معهم الى الشام..
    وهناك سألت عن عالمهم، فقيل لي هو الأسقف، صاحب الكنيسة، فأتيته وأخبرته خبري، فأقمت معه أخدم، وأصلي وأتعلم..
    وكان هذا الأسقف رجل سوء في دينه، اذ كان يجمع الصدقات من الناس ليوزعها، ثم يكتنزها لنفسه.
    ثم مات..
    وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه، فما رأيت رجلا على دينهم خيرا منه، ولا أعظم منه رغبة في الآخرة، وزهدا في الدنيا ودأبا على العبادة..
    وأحببته حبا ما علمت أني أحببت أحدا مثله قبله.. فلما حضر قدره قلت له : انه قد حضرك من أمر الله تعالى ما ترى، فبم تأمرني والى من توصي بي ؟؟
    قال: أي بني، ما أعرف أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه الا رجلا بالموصل..
    فلما توفي، أتيت صاحب الموصل، فأخبرته الخبر، وأقمت معه ما شاء الله أن أقيم، ثم حضرته الوفاة، سألته فأمرني أن ألحق برجل في عمورية في بلاد الروم، فرحلت اليه، وأقمت معه واصطنعت لمعاشي بقرات وغنمات..
    ثم حضرته الوفاة، فقلت له: الى من توصي بي؟ فقال لي: يا بني ما أعرف أحدا على مثل ما كنا عليه، آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين ابراهيم حنيفا.. يهاجر الى أرض ذات نخل بين جرّتين، فان استطعت أن تخلص اليه فافعل.
    وان له آيات لا تخفى، فهو لا يأكل الصدقة.. ويقبل الهدية. وان بين كتفيه خاتم النبوة، اذا رأيته عرفته.

    ومر بي ركب ذات يوم، فسألتهم عن بلادهم، فعلمت أنهم من جزيرة العرب. فقلت لهم: أعطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني معكم الى أرضكم؟.. قالوا: نعم.
    واصطحبوني معهم حتى قدموا بي وادي القرى، وهناك ظلموني، وباعوني الى رجل من يهود.. وبصرت بنخل كثير، فطمعت أن تكون هذه البلدة التي وصفت لي، والتي ستكون مهاجر النبي المنتظر.. ولكنها لم تكن هي .
    وأقمت عند الرجل الذي اشتراني، حتى قدم عليه يوما رجل من يهود بني قريظة، فابتاعني منه، ثم خرج بي حتى قدمت المدينة فوالله ما هو الا ان رأيتها حتى أيقنت أنها البلد التي وصفت لي ..
    وأقمت معه أعمل له في نخله في بني قريظة حتى بعث الله رسوله وحتى قدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف.
    واني لفي رأس نخلة يوما، وصاحبي جالس تحتها اذ أقبل رجل من يهود، من بني عمه، فقال يخاطبه: قاتل الله بني قيلة إنهم ليتقاطرون على رجل بقباء، قادم من مكة يزعم أنه نبي..
    فوالله ما أن قالها حتى أخذتني العرواء، فرجفت النخلة حتى كدت أسقط فوق صاحبي ثم نزلت سريعا، أقول: ماذا تقول.؟ ما الخبر..؟
    فرفع سيدي يده ولكزني لكزة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا..؟
    أقبل على عملك..
    فأقبلت على عملي.. ولما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء.. فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه، فقلت له: انكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة، فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به..
    ثم وضعته، فقال الرسول لأصحابه: كلوا باسم الله.. وأمسك هو فلم يبسط اليه يدا..
    فقلت في نفسي: هذه والله واحدة .. انه لا يأكل الصدقة..
    ثم رجعت وعدت الى الرسول عليه السلام في الغداة، أحمل طعاما، وقلت له عليه السلام: اني رأيتك لا تأكل الصدقة.. وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به هدية، ووضعته بين يديه، فقال لأصحابه كلوا باسم الله..
    وأكل معهم..
    قلت لنفسي: هذه والله الثانية.. انه يأكل الهدية..
    ثم رجعت فمكثت ما شاء الله، ثم أتيته، فوجدته في البقيع قد تبع جنازة، وحوله أصحابه وعليه شملتان مؤتزرا بواحدة، مرتديا الأخرى، فسلمت عليه، ثم عدلت لأنظر أعلى ظهره، فعرف أني أريد ذلك، فألقى بردته عن كاهله، فاذا العلامة بين كتفيه.. خاتم النبوة، كما وصفه لي صاحبي..
    فأكببت عليه أقبله وأبكي.. ثم دعاني عليه الصلاة والسلام فجلست بين يديه، وحدثته حديثي كما أحدثكم الآن..
    ثم أسلمت.. وحال الرق بيني وبين شهود بدر وأحد..
    وفي ذات يوم قال الرسول عليه الصلاة والسلام:" كاتب سيدك حتى يعتقك"، فكاتبته، وأمر الرسولأصحابه كي يعونوني. وحرر الله رقبتي، وعشت حرا مسلما، وشهدت مع رسول الله غزوة الخندق، والمشاهد كلها.

    ماذا نتوقع أن يكون اسلام رجل هذه همته، وهذا صدقه؟
    لقد كان اسلام الأبرار المتقين.. وقد كان في زهده، وفطنته، وورعه أشبه الناس بعمر بن الخطاب.
    أقام أياما مع أبي الدرداء في دار واحدة.. وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقوم الليل ويصوم النهار.. وكان سلمان يأخذ عليه مبالغته في العبادة على هذا النحو.
    وذات يوم حاول سلمان أن يثني عزمه على الصوم، وكان نافلة..
    فقال له أبو الدرداء معاتبا: أتمنعني أن أصوم لربي، وأصلي له..؟ّ
    فأجابه سلمان قائلا:
    ان لعينك عليك حقا، وان لأهلك عليك حقا، صم وافطر، وصل ونم..
    فبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:
    " لقد أشبع سلمان علما ".
    وكان الرسول عليه السلام يرى فطنته وعلمه كثيرا، كما كان يطري خلقه ودينه..
    ويوم الخندق، وقف الأنصار يقولون: سلمان منا.. وقف المهاجرون يقولون بل سلمان منا..
    وناداهم الرسول قائلا:" سلمان منا آل البيت".
    وانه بهذا الشرف لجدير..
    وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يلقبه بلقمان الحكيم سئل عنه بعد موته فقال:
    ذاك امرؤ منا والينا أهل البيت.. من لكم بمثل لقمان الحكيم..؟
    أوتي العلم الأول، والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحرا لا ينزف.
    ولقد بلغ في نفوس أصحاب الرسول عليه السلام جميعا المنزلة الرفيعة والمكان الأسمى.
    ففي خلافة عمر جاء المدينة زائرا، فصنع عمر ما لا نعرف أنه صنعه مع أحد غيره أبدا، اذ جمع أصحابه وقال لهم:
    "هيا بنا نخرج لاستقبال سلمان".
    وخرج بهم لاستقباله عند مشارف المدينة.
    لقد عاش سلمان مع الرسول منذ التقى به وآمن معه مسلما حرّا، ومجاهدا وعابدا.
    وعاش مع خليفته أبي بكر، ثم أمير المؤمنين عمر، ثم الخليفة عثمان حيث لقي ربه أثناء خلافته.
    وفي معظم هذه السنوات، كانت رايات الاسلام تملأ الأفق، وكانت الكنوز والأموال تحمل الى المدينة فيئا وجزية، فتوزّع على الناس في صورة أعطيات منتظمة، ومرتبات ثابتة.
    وكثرت مسؤوليات الحكم على كافة مستوياتها، فكثرت الأعمال والمناصب تبعا لها..
    فأين كان سلمان في هذا الخضم..؟ وأين نجده في أيام الرخاء والثراء والنعمة تلك..؟

    لقد كان بعضنا يظن حين يسمع عن تقشف بعض الصحابة وورعهم، مثل أبي بكر الصديق وعمر وأبي ذر واخوانهم، أن مرجع ذلك كله طبيعة الحياة في الجزيرة العربية حيث يجد العربي متاع نفسه في البساطة..
    فها نحن أمام رجل من فارس.. بلاد البذخ والترف والمدنية، ولم يكن من الفقراء بل من صفوة الناس. ما باله يرفض هذا المال والثروة والنعيم، ويصر أن يكتفي في يومه بدرهم يكسبه من عمل يده..؟
    ما باله يرفض اامارة ويهرب منها ويقول :
    "ان استطعت أن تأكل التراب ولا تكونن أميرا على اثنين؛ فافعل..".
    ما باله يهرب من الامارة والمنصب، الا أن تكون امارة على سريّة ذاهبة الى الجهاد.. والا أن تكون في ظروف لا يصلح لها سواه، فيكره عليها اكراها، ويمضي اليها باكيا وجلا..؟
    ثم ما باله حين يلي على الامارة المفروضة عليه فرضا يأبى أن يأخذ عطاءها الحلال..؟؟
    روى هشام عن حسان عن الحسن:
    " كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان على ثلاثين ألفا من الناس يخطب في عباءة يفترش نصفها، ويلبس نصفها.."
    "وكان اذا خرج عطاؤه أمضاه، ويأكل من عمل يديه..".
    ما باله يصنع كل هذا الصنيع، ويزهد كل ذلك الزهد، وهو الفارسي، ابن النعمة، وربيب الحضارة..؟
    لنستمع الجواب منه. وهو على فراش الموت. تتهيأ روحه العظيمة للقاء ربها العلي الرحيم.
    دخل عليه سعد بن أبي وقاص يعوده فبكى سلمان..
    قال له سعد:" ما يبكيك يا أبا عبد الله..؟ لقد توفي رسول الله وهو عنك راض".
    فأجابه سلمان:
    " والله ما أبكي جزعا من الموت، ولاحرصا على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد الينا عهدا، فقال: ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب، وهأنذا حولي هذه الأساود"
    يعني بالأساود الأشياء الكثيرة
    قال سعد فنظرت، فلم أرى حوله الا جفنة ومطهرة، فقلت له: يا أبا عبدالله اعهد الينا بعهد نأخذه عنك، فقال :
    " يا سعد:
    اذكر عند الله همّتك اذا هممت..
    وعند حكمتك اذا حكمت..
    وعند يدك اذا قسمت.."
    هذا هو اذن الذي ملأ نفسه غنى، بقدر ما ملأها عزوفا عن الدنيا بأموالها، ومناصبها وجاهها.. عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليه والى أصحابه جميعا: ألا يدعو الدنيا تتملكهم، وألا يأخذ أحدهم منها الا مثل زاد الركب..
    ولقد حفظ سلمان العهد ومع هذا فقد هطلت دموعه حين رأى روحه تتهيأ للرحيل، مخافة أن يكون قد جاوز المدى.
    ليس حوله الا جفنة يأكل فيها، ومطهرة يشرب منها ويتوضأ ومع هذا يحسب نفسه مترفا..
    ألم أقل لكم انه أشبه الناس بعمر..؟
    وفي الأيام التي كان فيها أميرا على المدائن، لم يتغير من حاله شيء. فقد رفض أن يناله من مكافأة الامارة درهم.. وظل يأكل من عمل الخوص.. ولباسه ليس الا عباءة تنافس ثوبه القديم في تواضعها..
    سئل يوما: ما الذي يبغض الامارة الى نفسك.؟
    فأجاب: " حلاوة رضاعها، ومرارة فطامها"..
    ويدخل عليه صاحبه يوما بيته، فاذا هو يعجن، فيسأله:
    أين الخادم..؟
    فيجيبه قائلا:
    " لقد بعثناها في حاجة، فكرهنا أن نجمع عليه عملين.."
    وحين نقول بيته فلنذكر تماما، ماذا كان ذاك البيت..؟ فحين همّ سلمان ببناء هذا الذي يسمّى مع التجوّز بيتا، سأل البنّاء: كيف ستبنيه..؟
    وكان البنّاء حصيفا ذكيا، يعرف زهد سلمان وورعه.. فأجابه قائلا:" لا تخف.. انها بناية تستظل بها من الحر، وتسكن فيها من البرد، اذا وقفت فيها أصابت رأسك، واذا اضطجعت فيها أصابت رجلك"..
    فقال له سلمان: "نعم هكذا فاصنع".
    لم يكن هناك من طيبات الحياة الدنيا شيء ما يركن اليه سلمان لحظة، أو تتعلق به نفسه اثارة، الا شيئا كان يحرص عليه أبلغ الحرص، ولقد ائتمن عليه زوجته، وطلب اليها أن تخفيه في مكان بعيد وأمين.

    وفي مرض موته وفي صبيحة اليوم الذي قبض فيه، ناداها:
    "هلمي خبيّك التي استخبأتك"..
    فجاءت بها، واذا هي صرة مسك، كان قد أصابها يوم فتح "جلولاء" فاحتفظ بها لتكون عطره يوم مماته.
    ثم دعا بقدح ماء نثر المسك فيه، ثم مرره بيده، وقال لزوجته :
    "انضجيه حولي.. فانه يحضرني الآن خلق من خلق الله، لا يأكلون الطعام، وانما يحبون الطيب".
    فلما فعلت قال لها:" اجفئي علي الباب وانزلي".. ففعلت ما أمرها به..
    وبعد حين صعدت اليه، فاذا روحه المباركة قد فارقت جسده ودنياه.
    قد لحقت بالملأ الأعلى، وصعدت على أجنحة الشوق اليه، اذ كانت على موعد هناك مع الرسول محمد، وصاحبيه أبي بكر وعمر.. ومع ثلة مجيدة من الشهداء والأبرار.


    لطالما برّح الشوق الظامئ بسلمان..
    وآن اليوم أن يرتوي منه وينهل..

     
  2. مراقب الاسهم

    مراقب الاسهم عضو نشط

    التسجيل:
    ‏14 سبتمبر 2005
    المشاركات:
    870
    عدد الإعجابات:
    12
    اللخ يجزاج خير على هالموضوع القيم

    موضوع بوفته صراحه اختصرتي لي الطريق وفرتي علي بحث مطلوب من احد خواتي عن سيره هذا الصحابي الجليل

    شكرا ليلي
     
  3. zoya_y

    zoya_y عضو جديد

    التسجيل:
    ‏26 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    9,261
    عدد الإعجابات:
    4
    مكان الإقامة:
    DREAM WORLD
    شكرا سويتيه .. بس الموضوع طويل لو كان اقصر احلى :) وشكرا لج على تذكيرج لإنه بعظماء الإسلاام
     
  4. yoyo1983

    yoyo1983 عضو نشط

    التسجيل:
    ‏22 ابريل 2007
    المشاركات:
    22,658
    عدد الإعجابات:
    22
    مكان الإقامة:
    DaMBy
    zoya_y

    العفو بس ماينفع اقصر بشي من التاريخ :)

    فرحني مرورج
     
  5. الفايدة للجميع

    الفايدة للجميع عضو نشط

    التسجيل:
    ‏22 أكتوبر 2005
    المشاركات:
    1,168
    عدد الإعجابات:
    2
    شكرا sweet_laila

    صح الموضوع طويل لكن هذا قليل بحق هذا الصحابي الجليل
     
  6. yoyo1983

    yoyo1983 عضو نشط

    التسجيل:
    ‏22 ابريل 2007
    المشاركات:
    22,658
    عدد الإعجابات:
    22
    مكان الإقامة:
    DaMBy
    الفايدة للجميع



    جزاك الله خير
     
  7. INFINITI

    INFINITI عضو نشط

    التسجيل:
    ‏19 سبتمبر 2007
    المشاركات:
    4,316
    عدد الإعجابات:
    2
    مكان الإقامة:
    راس العايــــر
    شكرا ليلى
    بارك الله فيج
    عاشت
     
  8. yoyo1983

    yoyo1983 عضو نشط

    التسجيل:
    ‏22 ابريل 2007
    المشاركات:
    22,658
    عدد الإعجابات:
    22
    مكان الإقامة:
    DaMBy
    Infiniti


    العفو وبارك الله فييك
     
  9. yoyo1983

    yoyo1983 عضو نشط

    التسجيل:
    ‏22 ابريل 2007
    المشاركات:
    22,658
    عدد الإعجابات:
    22
    مكان الإقامة:
    DaMBy
    للرفع
     
  10. maha_Q8

    maha_Q8 عضو نشط

    التسجيل:
    ‏19 يونيو 2008
    المشاركات:
    4,537
    عدد الإعجابات:
    4
    مكان الإقامة:
    الكويت.. ((جبــله ))
    شكرا على القصه
     
  11. yoyo1983

    yoyo1983 عضو نشط

    التسجيل:
    ‏22 ابريل 2007
    المشاركات:
    22,658
    عدد الإعجابات:
    22
    مكان الإقامة:
    DaMBy
    :)



    :)
     
  12. الاحمـد

    الاحمـد عضو نشط

    التسجيل:
    ‏16 يونيو 2008
    المشاركات:
    1,425
    عدد الإعجابات:
    2
    بميزان حسناتج ان شاء الله
     
  13. العاشق

    العاشق عضو مميز

    التسجيل:
    ‏18 يناير 2009
    المشاركات:
    14,324
    عدد الإعجابات:
    557
    مكان الإقامة:
    هنا

    جزاج الله خير

    وعسى ربي يحفظج​
     
  14. السيدةالانيقة

    السيدةالانيقة موقوف

    التسجيل:
    ‏17 أغسطس 2009
    المشاركات:
    2,715
    عدد الإعجابات:
    0
    مكان الإقامة:
    كويتية
    جزاك الله خير