منطقة اليورو وكيفية النجاة من التعافي الاقتصادي؟

الموضوع في 'السوق الكويتي للأوراق الماليه' بواسطة بحار200, بتاريخ ‏11 ديسمبر 2009.

  1. بحار200

    بحار200 عضو نشط

    التسجيل:
    ‏19 نوفمبر 2009
    المشاركات:
    296
    عدد الإعجابات:
    45
    منطقة اليورو وكيفية النجاة من التعافي الاقتصادي؟

    مارتن فيلدشتاين

    إن التعافي الاقتصادي الذي تنتظره منطقة اليورو في عام 2010 قد يجلب معه توترات جديدة. والواقع أن بعض البلدان قد تجد نفسها، على أسوأ الفروض، مضطرة إلى النظر في الانسحاب من منطقة العملة الموحدة بالكامل.

    فرغم أن اليورو يساعد على تبسيط التجارة، فإنه يخلق قدراً كبيراً من المشكلات بالنسبة للسياسة النقدية. فحتى قبل أن تولد العملة الموحدة كان بعض خبراء الاقتصاد (وأنا منهم) يتساءلون عما إذا كان تطبيق العملة الموحدة أمراً مرغوباً بالنسبة لمجموعة من البلدان غير المتجانسة. فالعملة الموحدة تعني سياسة نقدية موحدة وأسعار فائدة موحدة، حتى ولو كانت الظروف الاقتصادية ـ وخاصة الظروف الدورية ـ مختلفة إلى حد كبير بين البلدان الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي.

    والعملة الموحدة تعني أيضاً سعر صرف موحد في مقابل العملات الأخرى، وهو ما من شأنه أن يمنع الاستجابة الطبيعية من جانب السوق إزاء العجز التجاري المزمن في أي بلد داخل منطقة اليورو. فإذا كان لبلد ما عملته الخاصة، فإن سعر صرفها من الممكن أن ينحدر، فتستفيد بذلك الصادرات والواردات المعطلة. ولكن من دون عملة خاصة فإن العلاج الوحيد للعجز التجاري المزمن يتلخص في خفض الأجور الحقيقية أو الزيادات النسبية في الإنتاجية.

    في الوقت الحالي، يتبنى البنك المركزي الأوروبي سياسة نقدية في غاية السلاسة. ولكن مع تحسن الاقتصاد الإجمالي لمنقطة اليورو، فسوف يبدأ البنك المركزي الأوروبي في خفض مستويات السيولة ورفع أسعار الفائدة القصيرة الأجل، وهو ما سيكون مناسباً لبعض البلدان أكثر من غيرها. وبطبيعة الحال فإن البلدان التي يظل اقتصادها ضعيفاً نسبياً ستعارض تطبيق سياسة نقدية أشد إحكاماً.

    والواقع أن التناقض القائم بين الظروف في ألمانيا وإسبانيا يوضح هذه المشكلة. فقد بلغت مستويات البطالة في ألمانيا الآن نحو 8 في المائة، ولكن الرقم يتجاوز الضعف في إسبانيا ـ نحو 19 في المائة. ولقد سجلت ألمانيا فوائض تجارية بلغت قيمتها 175 مليار دولار في غضون 12 شهراً حتى نهاية آب (أغسطس)، في حين سجلت إسبانيا عجزاً تجارياً بلغ 84 مليار دولار في غضون الـ 12 شهراً الماضية.

    ولو كان كل من البلدين ما زال محتفظاً بعملته المحلية، فإن الفوارق في التوازن التجاري كانت لتضطر المارك الألماني إلى الارتفاع والبيزيتا الإسبانية إلى الانخفاض. وكان ضعف البيزيتا ليساعد على حفز الطلب على الصادرات الإسبانية ويقلل من واردات إسبانيا، وكان ذلك ليعزز بدوره من الطلب المحلي ويقلل من مستويات البطالة.

    ولأن سعر الفائدة الذي حدده البنك المركزي الأوروبي أقل من 1 في المائة الآن، فإن الفارق بسيط بين سياسته النقدية الحالية وما كان بنك إسبانيا ليفعله لو كان بوسعه أن يحدد سعر الفائدة بنفسه. ولكن بعد أن تبدأ منطقة اليورو في التعافي، فقد يختار البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة قبل أن يصبح السعر الأعلى مناسباً لإسبانيا، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم مستويات البطالة في إسبانيا. إن إسبانيا وغيرها من بلدان منطقة اليورو التي تعاني من مستويات بطالة مرتفعة قد تعارض هذه السياسة ولكنها قد تجد نفسها رغم ذلك في مواجهة سياسة نقدية أشد إحكاماً، وذلك لأن البنك المركزي الأوروبي يرى أن الوضع الإجمالي لمنطقة اليورو يسمح بأسعار فائدة أعلى.

    إن إسبانيا ليست الدولة الوحيدة التي قد تجد في نفسها الحافز إلى الانسحاب من الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي. فاليونان، وإيرلندا، والبرتغال، بل حتى إيطاليا، كثيراً ما تعتبر من البلدان التي قد تستفيد من القدرة على تبني سياسة نقدية مستقلة والسماح لعملاتها بالتكيف مع مستويات أكثر تنافسية.

    ويؤكد الفارق المتسع بين أسعار الفائدة على سندات اليورو الألمانية وبعض سندات اليورو في بلدان أخرى أن أسواق السندات العالمية تأخذ هذه المجازفة على محمل الجد، ففي حين أن العائد الحالي على سندات اليورو التي تصدرها الحكومة الألمانية على سبيل المثال يبلغ 3.33 في المائة، فإن العائد المقابل على سندات اليورو التي تصدرها الحكومة اليونانية يبلغ 4.7 في المائة، ثم 4.77 بالنسبة لسندات اليورو التي تصدرها الحكومة الإيرلندية. وهذه العائدات المتباينة تعكس نظرة السوق إلى مخاطر العجز عن السداد أو انخفاض القيمة الفعلية للعملة والذي لابد أن يأتي مصاحباً للانسحاب من منطقة اليورو.

    إن الانسحاب من الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي يشتمل بطبيعة الحال على قضايا فنية وسياسية. فالحكومة الراغبة في التخلي عن اليورو واستخدام «الفرنك الجديد» على سبيل المثال (لا أقترح بهذا أن فرنسا أو بلجيكا من المرجح أن تتخلى عن اليورو)، لابد أن تعمل على عكس اتجاه العملية التي أحلت بموجبها اليورو في محل عملتها الأصلية. ولكن بما أن هذه البلدان قد تعلمت كيف تنفذ ذلك من قبل فإن هذا من شأنه أن ييسر القيام بالعملية نفسها مرة أخرى ولكن في الاتجاه المعاكس.

    ولكن كيف يمكن تحديد سعر الصرف للعملة الجديدة؟ إن الخيار الواضح يتلخص في البدء بتبديل «فرنك جديد» واحد بيورو واحد، ثم ترك الأمر لأسواق العملة العالمية لإعادة تسعير العملة الجديدة. وبطبيعة الحال فإن الدولة التي تعاني عجزا تجاريا أوليا ضخما ستتوقع انحدار عملتها في مقابل اليورو، ولنقل إلى 1.2 من «الفرنك الجديد» في مقابل اليورو، وهو ما من شأنه أن يجعل منتجات هذه الدولة أرخص بما يعادل 20 في المائة مقارنة بالمنتجات المماثلة في غيرها من بلدان منطقة اليورو، وأن يجعل وارداتها أعلى تكلفة. وإذا تسبب هذا في ارتفاع مستويات الأسعار في البلد الذي انسحب من منطقة اليورو، فإن سعر الصرف الاسمي لا بد أن ينحدر إلى أن يصل إلى المستوى نفسه من التعديل الحقيقي.

    ولأن الأفراد في البلد الذي انسحب من منطقة اليورو قد يستمرون في الاحتفاظ باليورو، فإن الانسحاب من الوحدة الاقتصادية والنقدية الأوروبية لن يؤدي إلى خسائر في الثروات الموجودة. ولكن مثل هذا البلد لابد أن يقلق إزاء عواقب اقتصادية أكبر حجماً. ذلك أن أسواق رأس المال العالمية ستدرك أن البلد الذي يعاني مستويات بطالة مرتفعة قد يلجأ إلى تبني سياسة تضخمية أو سياسة خفض أسعار الصرف. وهذا من شأنه أن يدفع المستثمرين الدوليين إلى حجب أرصدتهم المالية عن البلد المنسحب ورفع أسعار الفائدة على ديونه الوطنية إلى حد كبير.

    وهناك أيضاً مشكلات سياسية محتملة. فهل تعطَى الدولة المنسحبة من الاتحاد الاقتصادي والنقدي دوراً متضائل الأهمية في مجلس الشؤون الاقتصادية والمالية الأوروبي؟ وهل يتقلص صوتها في المناقشات الأوروبية الدائرة بشأن السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية؟ وفي أسوأ الظروف، هل تضطر إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي تماماً، وبالتالي خسارة مزاياها التجارية؟

    إن هذه المخاطر الاقتصادية والسياسية قد تكون كافية لردع بلدان الاتحاد الاقتصادي والنقدي الحاليين عن اتخاذ قرار الانسحاب. ولكن البقاء في منطقة اليورو قد يفرض تكاليف باهظة على بعض هذه البلدان. وعند نقطة ما فإن العجز عن التعامل مع المشكلات الاقتصادية الداخلية في إطار عمل الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي قد يدفع عدداً من البلدان إلى استنتاج مفاده أن هذه التكاليف ببساطة أضخم من طاقتها على التحمل.


    خاص بـ «الاقتصادية»

    حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2009.

    www.project-syndicate.org

    http://www.aleqt.com/2009/11/28/article_307766.html