النعمان بن مقرن المزني

الموضوع في 'إستراحة المنتدى' بواسطة بو محمد, بتاريخ ‏15 أغسطس 2008.

  1. بو محمد

    بو محمد موقوف

    التسجيل:
    ‏16 يناير 2004
    المشاركات:
    355
    عدد الإعجابات:
    0
    مكان الإقامة:
    KUWAIT
    الراوي: نحن الآن في مكتبة الشيخ محمود، والشيخ يقلب في صفحات كتاب كبير.. إنه يقف في مكتبته العامرة، أمام قسم التاريخ.. ونحن في انتظار حفيديه: أحمد وفاطمة.

    مؤثر: نقرات على الباب.

    الجد: ادخلوا يا أولادي.

    مؤثر: صوت فتح باب وإغلاقه.

    الحفيدان: السلام عليكم ورحمة الله.

    الرجلان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

    الجد: أهلاً بحفيديّ المجتهدين.. اجلسا في أماكنكما.

    مؤثر: صوت زقزقة كراسي.

    أحمد: ترى.. من البطل الذي ستحدّثنا عنه يا جدي؟

    الجد: سوف أحدّثكم اليوم عن بطل عظيم، من أبطال الأمة المعدودين في التاريخ.. عن صحابيّ طيب، وقائد فذّ.. عن النعمان بن مقرّن، قائد المعركة: فتح الفتوح، وشهيد نهاوند.

    أحمد: من هو هذا القائد يا جدي؟

    الجد: اسمه النعمان، وأبوه عمرو بن مقرِّن، من قبيلة مُزَيْنة.

    فاطمة: والنسبة إلى مزَينة: مُزني. أليس كذلك يا جدّي؟

    الجد: بلى.. يا فاطمة.. النسبة إلى مَزُينة مزني، وكنيته أبو عمرو.

    أحمد: هل كان من سكان مكة المكرمة؟

    الجد: لا.. كان من سكان البادية، فهو وإخوته وأهله من أعراب البادية، ولكن الإسلام رفعهم.

    فاطمة: هل كان من المسلمين الأوائل يا جدي؟

    الجد: لا.. قدم النعمان بن مقرّن مع ستة من إخوته، في جمع من قبيلة مزينة، إلى المدينة المنورة، والتقوا رسول الله

    الجميع: صلى الله عليه وسلم.

    الجد: وأسلموا جميعاً، وكان النعمان أكبر إخوته الستة.

    فاطمة: إذن.. هم سبعة إخوة من آل مقرّن؟

    الجد: بل كانوا عشرة إخوة، جاء منهم إلى المدينة سبعة، وأسلموا.

    فاطمة: متى أسلموا يا جدي؟

    الجد: في السنة الرابعة من الهجرة.

    أحمد: هل كان وفد مزينة كبيراً ؟

    الجد: كانوا أربع مئة رجل، أعلنوا إسلامهم معاً أمام رسول الله

    الجميع: صلى الله عليه وسلم.

    الراوي: هاجر النعمان وإخوته الستة إلى المدينة المنورة، وأقاموا فيها إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهدوا معه غزوة الخندق، وقاتلوا تحت لوائه الشريف في سائر الغزوات الأخرى، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى.

    الجميع: عليه الصلاة والسلام.

    الجد: حضروا غزوة الخندق، وغزوة بني قريظة، وكانوا مع النبيّ الكريم في صلح الحديبية، وفي عمرة القضاء، وفي غزوة خيبر، وفي فتح مكة، وفي غزوة تبوك.

    الراوي: في فتح مكة المكرمة، شارك ألف وثلاثة مجاهدين من قبيلة مزينة، وقد أمَّر النبيُّ النعمان بن مقرّن عليهم، وجعله حامل رايتهم.

    أحمد: كم كان عدد الجيش الذي فتح مكة يا جدي؟

    الجد: عشرة آلاف.

    أحمد: إذن.. كانت مزينة عشر الجيش؟

    الجد: نعم.. كان المقاتلون من مزينة عشر جيش الفتح.

    فاطمة: كانوا كلهم يعيشون في المدينة المنورة؟

    الجد: لا.. كانوا في بواديهم.. كانت قبيلة مزينة تسكن أو تنزل جبال الحجاز، ناحية البحر الأحمر، غربيَّ المدينة، على بعد ليلتين منها.

    الراوي: فأرسل الرسول القائد إلى الأعراب في البادية وحول المدينة المنورة، وقال لهم:

    "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحضر رمضان في المدينة"

    الجد: فجاءته إلى المدينة قبائل مزينة، وغفار، وأسلم، وجهينة، وأشجع، وسليم، فتكوّن منهم، ومن المهاجرين والأنصار جيش من عشرة آلاف مقاتل.

    الحفيدان: ما شاء الله.

    الجد: وحضر النعمان غزوة الطائف أيضاً.

    الراوي: وعندما تجهّز الرسول القائد لغزوة تبوك، تقدّم النعمان وإخوته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلنوا عن رغبتهم في المشاركة بتلك الغزوة.

    مؤثر: صوت بكاء.

    الجد: ولكنّ الرسول القائد ردَّهم جميعاً، لأنه لا يجد ما يحملهم عليه، فخرجوا من عند رسول الله وعيونهم تفيض من الدمع حزناً على عدم مشاركتهم في تلك الغزوة، والقتال تحت لواء النبيّ

    الجميع: صلى الله عليه وسلم.

    أحمد: لماذا يا جدي؟

    الجد: لأن المسلمين كانوا فقراء، وقد بذل أغنياء المسلمين كثيراً من أموالهم، ليجهّزوا ذلك الجيش الذي سُمي جيش العسرة.

    الراوي: وفيما كان النعمان وإخوته خارجين من عند النبيّ الكريم وهم يبكون، لقي اثنان منهم الصحابي الكريم: يامين بن عمير، فسألهما عمّا يبكيهما، فأخبراه بما كان من أمرهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالا له:

    الجد: نحن لا نملك ما نجهّز به أنفسنا للقتال، ونحن نكره أن يفوتنا قتال تحت لواء النبي صلى الله عليه وسلم.

    الراوي: فأعطاهما (يامين) جملاً ليركباه، وزوّد كلَّ واحد منهما بصاعين من تمر.

    الحفيدان: رضي الله عن يامين.

    الجد: وحمل العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم اثنين منهم أيضاً.

    الراوي: وحمل ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ثلاثة منهم.

    أحمد: وهكذا شارك البكّاؤون السبعة في غزوة تبوك. ما أعظم ذلك الجيل الذي تربَّى على عين سيّدي رسول الله.

    فاطمة: ثم ماذا يا جدي؟

    مؤثر: جوّ حزين: بكاء أو ما شابه.

    الراوي: وبعد أن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ارتدّت أكثر القبائل العربية عن الإسلام.

    الجد: امتنع بعضها عن دفع الزكاة، وهي أحد أركان الإسلام.

    الراوي: وادّعى بعض الأعراب النبوّة.. زعموا أنهم أنبياء.

    أحمد: أعوذ بالله.

    فاطمة: مثل من يا جدي؟

    الجد: مثل مسيلمة الكذاب، وسجاح، وطليحة، والأسود العنسي.

    الراوي: وثبت أهل المدينة، وأهل مكة والطائف على الإسلام، ووقفوا كالبنيان المرصوص إلى جانب الخليفة أبي بكر رضي الله عنه.

    مؤثر: طبول حرب.

    الجد: وأعلن الخليفة حربه على المرتدين، وشكّل جيشاً من المسلمين قاده بنفسه، ووضع النعمان على ميمنة الجيش، ووضع أخاه عبد الله بن مقرِّن على ميسرة الجيش، ووضع أخاه الثاني سويد بن مقرّن على مؤخرة الجيش.

    الراوي: كان بنو مزينة من الثابتين على الإسلام، المدافعين عنه.

    الجد: وكانوا في جيش الخليفة، وتصدّوا للمرتدين الذين جمعوا جموعهم حول المدينة المنورة، وحاولوا مهاجمة المسلمين، والقضاء عليهم.

    الراوي: ولكنّ الخليفة الصديق كان أسبق من المرتدين، فقد خرج إليهم في آخر الليل، حتى لا ينكشف أمره، وتتسرّب أخباره إلى تلك الجموع من قبيلتي عبس وذبيان ومن لحق بهما من المرتدين من القبائل الأخرى.

    الجد: سار الخليفة بجيشه ليلاً، وبلغ مرابطهم مع الفجر، فلم ينتبه المرتدّون إلا والسيوف في رقابهم، فقُتل منهم من قُتل، وولّى الناجون الأدبار، وانتهت المعركة قبل شروق الشمس.

    الحفيدان: الله أكبر.. الله أكبر.

    الراوي: انهزم المرتدون في مثل لمح البصر، وطاردهم الخليفة، ثمّ ولّى قيادة الجيش النعمان بن مقرّن، وعاد الخليفة إلى المدينة.

    الجد: وعقد الخليفة الصدّيق أحد عشر لواء لمقاتلة المرتدين، وكان النعمان من قادة البطل الهائل: خالد بن الوليد، وكانت هذه هي المرة الثانية التي يقاتل فيها النعمان مع خالد.

    أحمد: والمرة الأولى؟

    الجد: كانت في فتح مكة المكرمة.

    الراوي: وبقي البطل النعمان يقاتل المرتدين مع خالد، حتى كسروا شوكة الردّة، وقضوا على المرتدين.

    الحفيدان: الحمد لله.

    الجد: وبعد القضاء على الردّة والمرتدين، توجّه النعمان وأكثر إخوته إلى العراق، وكانوا تحت إمرة خالد.

    الراوي: وحقّقوا انتصارات كبيرة على الفرس، وعلى من تعاون معهم من نصارى العرب ومشركيهم، وأفاد النعمان من عبقرية خالد في الإدارة والتنظيم، ومن شجاعته الخارقة، ومن إقدامه النادر.

    الجد: وجاءت الأوامر إلى خالد، أن يتوجّه بنصف جيشه إلى الشام، وبقي النعمان في العراق، وحزن على فراق خالد، وبكى وهو يودّعه.

    الراوي: ولكنّ القائد الجديد الذي عمل معه: المثنّى بن حارثة الشيباني، عوّضه عن كثير مما كان عند خالد.

    الجد: فالمثنّى بن حارثة بطل عظيم، فيه الكثير مما لدى خالد من العبقرية العسكرية، فهو من نوادر القادة الأفذاذ على مدار الزمان.

    الراوي: استفاد من المثنّى وخالد: سرعة الحركة، وأساليب التعبئة، وأسلوب المفاجأة، وكيفية حشد القوات، والمرونة في اختيار الأسلوب المناسب لكل معركة، واستثمار النصر في كل موقعة.

    أحمد: هنيئاً للقائد النعمان بن مقرّن، بهذين القائدين العظيمين: المثنّى وخالد.

    الجد: وقاتل النعمان وإخوته في القادسية، تحت قيادة الرجل الصالح، البطل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

    مؤثر: صهيل خيول.

    الراوي: وقبيل معركة القادسية التاريخية الفاصلة، أرسل سعد وفداً إلى كسرى فارس، برئاسة النعمان، واختار أعضاء الوفد من خيرة المسلمين.

    الجد: ذهب الوفد إلى فارس، وقابلوا كسرى وقائده رستم.. استأذنوا بالدخول على كسرى، فأمهلهم قليلاً، وجمع وزراءه ومستشاريه واستشارهم، ثم أذن للوفد بالدخول.

    الراوي: سألهم كسرى: ما جاء بكم ؟ وما دعاكم إلى غزونا، والولوع ببلادنا؟ أمن أجل أنّا تشاغلنا عنكم، اجترأتم علينا؟

    الجد: فقال النعمان لأصحابه: إن شئتم تكلمتُ عنكم، ومن شاء منكم الكلام آثرتُه على نفسي.

    الراوي: فقالوا للنعمان: تكلّم، فأنت أميرنا.

    الراوي: فقال النعمان للترجمان: قل لسيّدك الملك: إنّ الله رحمنا، فأرسل إلينا رسولاً يأمرنا بالخير، وينهانا عن الشر، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدعُ قبيلة إلا وقاربه منها فرقة، وتباعد عنه بها فرقة، ثمّ أُمِرَ أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، فبدأ بهم، فدخلوا معه على وجهين: مُكْرَهٍ عليه فاغتبط، وطائعٍ أتاه فازداد، فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به، على الذي كنّا عليه من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم، فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دينٌ حَسَّنَ الحسن، وقبَّحَ القبيحَ كلَّه، فإن أبيتم، فأمرٌ من الشرّ هو أهونُ من آخَرَ شرٍّ منه: الجزية. فإن أبيتم، فالمناجزة، وإن أسلمتم خلَّفنا فيكم كتاب الله، وأقمنا، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وإن أعطيتم الجزية، قبْلنا وحميناكم، وإلا، قاتلناكم.

    أحمد: الله أكبر.. الله أكبر!

    فاطمة: فماذا كان ردّ كسرى؟

    الجد: قال له كسرى: إني لا أعلم في الأرض أمّة كانت أشقى ولا أقلّ عدداً منكم، ولا أسوأ ذات بين منكم، وقد كنّا نوكّلُ بكم قُرى الضواحي فيكفوننا أمركم، فلا تطمعوا أن تقوموا للفرس، فإن كان الغرور لحقكم، فلا يغرنّكم منّا، وإن كان الفقر، فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم ورؤساءكم، وكسوناكم، وملّكنا عليكم ملكاً يرفق بكم.

    الراوي: فنهض المغيرة بن شعبة وقال لكسرى: اختر –إن شئت- الجزية عن يد وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تُسلم فتنجي نفسك.

    الجد: فغضب كسرى غضباً شديداً وقال:

    لولا أنّ الرُّسل لا تُقتل لقتلتكم، اذهبوا.. لا شيء لكم عندي.

    الراوي: وطلب كسرى حملاً من تراب، فجاؤوه به، فقال لأصحابه: احملوا هذا التراب على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن.

    الجد: وقال لهم كسرى: ارجعوا إلى صاحبكم، فأعلموه أني مرسل إليه رستم، حتى يدفنه ويدفنكم معه في خندق القادسية، ثم أُرسله إلى بلادكم، حتى أشغلكم بأنفسكم، بأشد مما نالكم من سابور.

    الراوي: وقام عاصم بن عمرو ليحمل التراب على كاهله وهو يقول: أنا أشرفهم.. أنا سيّد هؤلاء.

    فاطمة: كيف يقول عاصم هذا، والنعمان رئيس الوفد؟

    الجد: ليحمل التراب عنهم.. وأنتم تعرفون البطل المغوار عاصماً.

    مؤثر: صوت وقع خيول وصهيل.

    الجد: وطار عاصم بالتراب إلى سعد وقال له: أبشر يا سعد، فوالله لقد أعطانا الله أقاليد ملكهم.

    مؤثر: أصوات معركة.

    الجد: وكانت معركة القادسية، وكانت هزيمة الفرس، وانتصار ساحق للمسلمين.

    مؤثر: صوت حوافر فرس يعدو.

    الراوي: وأرسل سعد النعمان بن مقرّن إلى المدينة المنورة، ليبشر أمير المؤمنين عمر، بهذا النصر التاريخي العظيم.

    الجد: وشارك النعمان في فتح المدائن، عاصمة كسرى، ورأى القصر الأبيض الذي وصفه لهم الرسول القائد وهو يحفر الخندق في غزوة الخندق، ويحطّم الصخرة التي استعصت على أقوياء الصحابة.

    الراوي: تذكّر النعمان تلك البشريات التي بشّرهم بها الرسول القائد، وهم في أخطر هجوم يتعرضون له من الأحزاب الكافرة.

    الجد: وفرّ كسرى بكنوزه ونسائه وحرسه، وصار يتنقّل من بلد إلى بلد، يحرّض الفرس على قتال المسلمين، حتى استقرّ في مدينة (مرو) وتمكّن من حشد قوات كثيفة من أهل فارس والأهواز.

    الراوي: وأرسل سعد إلى أمير المؤمنين عمر، وأخبره خبر تلك الحشود.

    الجد: فكتب عمر إلى سعد: ابعث إلى الأهواز جنداً كثيفاً مع النعمان بن مقرّن، وعجِّل، فلينزلوا بإزاء الهرمزان ويتحققوا أمره.

    مؤثر: أصوات جيش.. صهيل.. حمحمة.. إلخ.

    الراوي: خرج النعمان بن مقرّن في أهل الكوفة، وسار إلى الأهواز على ظهور البغال، وأراح الخيل من أجل القتال، فلما سمع الهرمزان بمسيره، ظن أنه يستطيع هزيمة جيش المسلمين.

    مؤثر: معركة.

    الجد: بادر الهرمزان لملاقاة النعمان، والتقى الجيشان، واقتتلا قتالاً شديداً، ومنَّ الله بالنصر على المسلمين، وانهزم الهرمزان إلى (تُستَر) وترك (رام هرمز) فسار إليها النعمان وافتتحها.

    الراوي: ثم سار النعمان إلى (تستر) وقد تخندق فيها جيش الهرمزان، فحاصرهم، وقاتلهم، وهزمهم هزيمة منكرة، فلجؤوا إلى المدينة، وتحصّنوا فيها، فأحاط بها النعمان وحاصرهم بضعة أشهر، وكان فتح مدينة (تستر) من بركات الله على عباده الصالحين.

    أحمد: كيف يا جدّي؟

    الجد: كان في جيش النعمان رجل صالح، مستجاب الدعاء، وكان في الوقت نفسه، بطلاً صنديداً.

    فاطمة: ما اسم هذا البطل يا جدي؟

    الجد: إنه الصحابي الجليل: البراء بن عازب.

    الجميع: رضي الله عنه.

    الجد: تصوّروا أنّ هذا البطل بارز فرسان الفرس مئة مبارزة، وقتل كلّ من بارزه.

    الحفيدان: الله أكبر.

    الجد: زاحف الفرس جيش النعمان ثمانين زحفاً، وكانت المعارك بينهم سجالاً.. مرة للفرس، ومرة للمسلمين، فلما كان آخر زحف لهم على المسلمين، قاتلهم المسلمون قتالاً رهيباً..

    الراوي: اشتدّ القتال، وكثر القتلى من الطرفين، فتقدّم النعمان من البراء، وطلب منه أن يدعو للمسلمين بالنصر.

    الجد: فرفع البراء يديه إلى السماء وقال: أقسمت عليك يا رب أن تمنحنا أكتافهم، وتلحقني بنبيّك.. اللهم اهزمهم وارزقني الشهادة في سبيلك.

    الراوي: واستجاب الله دعوة الرجل الصالح، والبطل المغوار: البراء بن عازب رضي الله عنه، فانهزم الفرس إلى مدينتهم تستر، وتحصّنوا فيها من جديد، ولكنّ المسلمين تغلّبوا عليهم، وأسروا قائدهم الهرمزان، وأرسلوه إلى أمير المؤمنين عمر، ليرى رأيه فيه.

    فاطمة: والبراء؟

    الجد: ألم أقل لكم: إنه كان مستجاب الدعوة؟ فقد دعا ربّه، وطلب منه أن يهب النصر للمسلمين، وأن يرزقه الشهادة في سبيله، وقد استجاب الله له، فنصر المسلمين، ورزقه الشهادة.

    مؤثر: أصوات مطاردة.. وقع حوافر الخيول.

    الراوي: وخرج القائد النعمان في عدد من الفرسان الأبطال، يطاردون المنهزمين إلى مدينة (سوس) وحاصر المدينة، وأقسم ألا يغادرها قبل أن يفتحها.

    أحمد: لماذا هذا الإصرار على فتحها؟

    الجد: لأن القسس والرهبان وقفوا على أسوارها، وصاحوا بالمسلمين:

    الراوي: يا معشر العرب. لا تتعبوا أنفسكم بحصارنا، فلن يفتح مدينتنا إلا الدجّال، أو قوم معهم الدجّال.

    الجد: كان لابد للنعمان من فتح مدينة (سوس) قبل أن يستفحل خطر الحشود في (نهاوند) فقد جاءه أمر الخليفة عمر، بالتحرك نحوها.

    أحمد: وماذا فعل النعمان يا جدي؟

    الجد: اسمعوا قصة فتح هذه المدينة الحصينة.

    مؤثر: أصوات باب وسلاسل.

    الراوي: كان في جيش النعمان بطل مغفوار، اسمه: صافي بن صيّاد.. هجم هذا البطل على باب (سوس) وضربه برجله في غضب، وصاح فيه: انفتح.. فتقطعت السلاسل، وتكسّرت الأغلاق، وتفتّحت الأبواب، ودخل المسلمون، فطلب أهلها الصلح من النعمان، فأجابهم إليه وصالحهم، ثم سار إلى نهاوند.

    أحمد: الله أكبر.. أغرب من الخيال!.

    مؤثر: وقع حوافر فرس.. مراسل..

    الجد: كتب أمير المؤمنين عمر، إلى القائد النعمان بن مقرّن:

    قد بلغني أنّ جموعاً من الأعاجم كثيرة، قد جمعوا لكم في مدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا، فسِر بأمر الله، وبعون الله، وبنصر الله، بمن معك من المسلمين، ولا تُوطئهم واعراً فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلنّهم غيضة، فإنّ رجلاً من المسلمين أحبُّ إليّ من مئة ألف دينار.. واستنصر الله، وأكثرْ من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام عليك.

    الحفيدان: لا حول ولا قوة إلا بالله.

    مؤثر: أصوات معركة.

    الراوي: تُعدُّ معركة نهاوند من أهم معارك الفتح الإسلامي، ومن أشدّها هولاً، جمع فيها ولها كسرى الفرس جموعاً هائلة، بلغت مئة وخمسين ألف مقاتل.

    الجد: وكتب سعد إلى أمير المؤمنين عمر، أخبره بأمر تلك الحشود، وبما كان من كسرى الذي طاف بلاد فارس، وحذّر الفرس من خطر المسلمين، ووحّد كلمة الفئات المتنازعة المتصارعة، وقال لهم كسرى: إنّ مصيرهم سيكون كمصير رستم والهرمزان، إذا هم استمّروا في خلافاتهم.

    الراوي: اهتمّ أمير المؤمنين لتلك الحشود، فكتب إلى النعمان وإلى أبي موسى الأشعريّ، وإلى غيرهما من القادة، وحشد الحشود، وفكّر بالسير على رأس ذلك الجيش لمواجهة كسرى وجيشه، ولكنّ مستشاري أمير المؤمنين عمر، وخاصة البطل الحكيم عليّ بن أبي طالب، أشاروا عليه بغير ذلك، ومنعوه من المخاطرة بنفسه، ورأوا أن يولّي أميراً على الجيش، ممن يثق به من القادة العظام.

    الجد: فقال عمر رضي الله عنه: والله لأوليَنَّ أمرهم رجلاً يكون أول الأسنّة إذا لقيها غداً، إنه النعمان بن مقرّن المزنيّ.

    الراوي: ثم كتب أمير المؤمنين يستنفر الناس، ويأمرهم بالاجتماع في (ماه) فانطلق المسلمون إلى ذلك المكان، بقيادة حذيفة بن اليمان، ومعه نُعيم بن مقرّن وسواهم.

    الجد: وأمر أمير المؤمنين الجنود الموجودين في الأهواز، أن يشاغلوا الفرس عن النعمان، ويقطعوا أمداد الفرس عن أهل نهاوند.

    أحمد: مَنْ مِنَ الأبطال كان مع النعمان يا جدي؟

    الجد: كان معه البطل عبد الله بن عمر.

    فاطمة: تعني.. ابن أمير المؤمنين عمر؟

    الجد: نعم يا فاطمة.. وكان معه جرير بن عبد الله البجلي، والمغيرة بن شعبة، وطليحة بن خويلد، وعمرو بن معدي كرب، وغيرهم من أبطال العروبة والإسلام.

    أحمد: جيش فيه هؤلاء الأبطال لا ينهزم.

    الجد: بدأ النعمان يحشد الحشود، وأرسل ثلاثة أبطال ليستطلعوا له الطريق، ويأتوه بالمعلومات قبل أن يتحرك.

    مؤثر: وقع حوافر خيل.

    الراوي: وعاد الأبطال الثلاثة يقولون للنعمان: إنّ الفيرزان هو قائد جيش الفرس، وهو عندهم في مقام قائدهم القتيل: رستم، وأن عدد جيشهم مئة وخمسون ألف مقاتل.

    أحمد: وكم عدد المسلمين يا جدي؟

    الجد: ثلاثون ألفاً.

    أحمد: يا لطيف.. إنهم أضعاف عدد المسلمين.

    فاطمة: لا تنس يا أحمد، أن الله ينصر الفئة القليلة المؤمنة، على الجيش العرمرم إذا كان كافراً.

    مؤثر: أصوات معركة.

    الجد: أمر النعمان جيشه بالتقدّم، بعد أن عبّأه ونظّمه.. جعل على مقدمته أخاه القائد المظفّر: نُعيم بن مقرّن، وجعل على الميمنة، حذيفة بن اليمان، أمين سر الرسول القائد

    الجميع: صلى الله عليه وسلم.

    الجد: وجعل على الميسرة، أخاه البطل المقدام: سويد بن مقرّن.

    الراوي: وجعل القعقاع على الفرسان.

    الحفيدان: الله اكبر.. الله أكبر..

    الراوي: وجعل على مؤخرة الجيش: البطل الصنديد، مجاشع بن مسعود.

    الجد: تقدّم النعمان بجيشه، وكانوا على يقظة وتعبئة، استعداداً للمفاجآت، وتفادياً لكل طارئ.

    الراوي: فلما تراءى الجيشان، كبّر النعمان، فكبّر معه جيشه.

    الحفيدان: الله أكبر.. الله أكبر.

    الراوي: فتزلزلت الأعاجم، وتراجعت معنوياتهم.

    الجد: وأمر النعمان بوضع الأثقال على الأرض.

    الراوي: وبادر القادة إلى بناء فسطاط النعمان.

    مؤثر: أصوات معركة.

    الجد: وأنشب النعمان القتال.

    الراوي: واقتتل الجيشان يومين كاملين.

    الجد: وكانت الحرب سجالاً بين المسلمين والأعاجم.

    الراوي: وفي اليوم الثالث، لم يخرج الفرس من خنادقهم.

    الجد: فأرسل النعمان فارساً يستطلع أمرهم، فغرزت حسكة في حافر فرسه، فلم يبرح مكانه.

    الراوي: ونزل الفارس الكشاف عن جواده، ونظر في حافره، فوجد الحسكة فيها، فرجع بها إلى النعمان.

    الجد: وعرف النعمان أن الفرس قد تواثقوا ألاّ يفروا من المعركة مهما كانت النتائج، وقد قرن بعضهم بعضاً، كلَّ سبعة في قِران، فصاروا كأنهم جبال من حديد، ثم ألقوا حسك الحديد خلفهم، وقالوا: من فرّ منا عقره حسك الحديد.

    أحمد: أغبياء.. أغبياء..

    الراوي: كانت المبادأة في أيدي الفرس، إن أرادوا الخروج إلى القتال خرجوا، وإن لم يريدوا لم يخرجوا، ولم يكن للمسلمين فيهم حيلة.

    الجد: كان ذلك في أول الشتاء.

    الراوي: وخاف النعمان من زحف الشتاء، وجيشه في العراء، وجيش الفرس في استحكامات جبلية حصينة.

    أحمد: فماذا فعل النعمان يا جدي؟

    فاطمة: لا حول ولا قوة إلا بالله!

    الجد: دعا النعمان القادة من أصحاب الرأي والمكيدة، واستشارهم فيما يجب عليهم أن يفعلوا، لاستخراج الفرس إلى القتال.

    الراوي: وعرض البطل المغوار طليحة بن خويلد فكرة فحواها: أن يبعث النعمان فرساناً تحتكّ بالعدو، وترميهم بالنبال، حتى يلتحموا بهم مبارزة بالكرِّ والفرّ، فإذا ما خرجوا التحم بهم جيش المسلمين.

    الجد: رسم النعمان وقادته خطة للإيقاع بالعدو، وقام القعقاع العظيم بتنفيذها.

    مؤثر: وقع حوافر خيول.

    الراوي: تقدّم القعقاع بفرسانه نحو استحكامات الفرس، وتحرّش بهم، ورماهم بالنبل، فخرجوا إليه، فتظاهر القعقاع بالضعف، وصار يتراجع أمامهم ببطء وعلى مراحل، حتى لا تنكشف الخطّة، وكان النعمان يتراجع بالجيش خلف القعقاع، فطمع الفرس بهم،

    الجد: فخرجوا وراءهم، حتى إذا ما ابتعدوا عن حصونهم، أمر النعمان جنوده بأن يلزموا أماكنهم، وألاّ يقاتلوا حتى يأمرهم بالقتال.

    الراوي: أمطر الفرس جيش المسلمين بوابل من السهام، والمسلمون يستترون منها بالتُّروس التي في أيديهم، وكثرت الجراح في المسلمين، وهم لا يردّون على الفرس، حتى يأتيهم أمر النعمان بالقتال.

    مؤثر: صلاة..

    الجد: حتى إذا مالت الشمس عن وسط السماء، صاح النعمان بجيشه: نصلّي الظهر إن شاء الله، ثم نلقى عدوّنا بعد الصلاة.

    الراوي: وصلّى النعمان بالناس، فيما كان القعقاع وفرسانه يخوضون معركة شرسة.

    الجد: وبعد الصلاة، انطلق النعمان على حصانه، واستعرض صفوف المسلمين، ووقف على الرايات راية راية، وحمد الله وصلَّى على نبيّه، وخطب بهم محمّساً إياهم، ومحرِّضاً على القتال.

    الحفيدان: الله أكبر.. الله أكبر..

    الجد: ثم رفع النعمان يديه إلى السماء ودعا بهذا الدعاء الرهيب:

    الراوي: اللهم إني أسألك أن تقرَّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام، وذُلٍّ يذلّ به الكفار، ثم اقبضني إليك على الشهادة، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك، ونصر عبادك.

    مؤثر: بكاء..

    الجد: وكان المسلمون يؤمّنون على دعائه، امتثالاً لأمره.

    الراوي: كانوا يؤمّنون ويبكون، وهم موقنون بأنّ الله سوف يستجيب دعاء هذا القائد الصادق الصالح.

    الجد: ثم قال النعمان للمسلمين:

    الراوي: إني هازٌ لكم الراية ومكبّر، فإذا سمعتم التكبيرة الأولى، فليصلح كلُّ رجل منكم من شأنه، وليشدَّ على نفسه وفرسه.

    الجد: ثم قال لهم النعمان:

    الراوي: ثم إني هازٌ لكم، ومكبّر التكبيرة الثانية، فإذا سمعتموها، فلينظر كلُّ رجل منكم موقع سهمه، وموضع عدوّه، ومكان فرصته.

    الجد: ثم قال النعمان:

    الراوي: ثم إني هازٌ لكم الثالثة ومكبّر وحامل، فاحملوا معي على اسم الله.

    الحفيدان: الله أكبر.. الله أكبر..

    الجد: وهكذا كان، واقتحم النعمان بجواده على العدو، فحمل معه المسلمون جميعاً حملة رجل واحد.

    الراوي: ويصف النعمان حملة الجيش معه فيقول: والله ما علمتُ من المسلمين أحداً يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله، حتى يُقتل أو يظفر.

    الحفيدان: الله أكبر.. الله أكبر..

    الراوي: واستمرّ القتال حتى حلول الظلام، وكثر القتلى من الفرس، حتى غطّوا أرض المعركة، فكان الناس والخيول ينزلقون في دمائهم.

    الجد: وزلقت فرس النعمان، وسقط القائد البطل عن فرسه، فبادر أخوه نعيم إلى حمل الراية.. أخذها من يده قبل أن تقع على الأرض، ومضى بها إلى نائبه حذيفة بن اليمان.

    الراوي: وعلم المغيرة بن شعبة باستشهاد النعمان، فقال: اكتموا مصاب أميركم، حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم، لكيلا يَهِن الناس ويضعفوا.

    الجد: وازداد ظلام الليل، وصبر المسلمون، وتراجع الفرس، ثم انهارت معنوياتهم، وانهزموا هزيمة منكرة.

    الراوي: ورأى القائد معقل بن يسار قائده النعمان، وفيه رمق من حياة، فغسل وجهه بماء كان معه، فسأله النعمان: ما صنع المسلمون؟ قال معقل: أبشر بفتح الله ونصره.

    فقال النعمان قبل أن يغمض عينيه: الحمد لله.. اكتبوا إلى عمر.

    الجد: وجاء البشير بالنصر إلى أمير المؤمنين، فسأل عمر عن النعمان، وعرف أنه استشهد، فأمسك رأسه بكلتا يديه وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.. يا أسفا على النعمان.

    ثم بكى وبكى معه المسلمون.

    منقول .
     
  2. بو محمد

    بو محمد موقوف

    التسجيل:
    ‏16 يناير 2004
    المشاركات:
    355
    عدد الإعجابات:
    0
    مكان الإقامة:
    KUWAIT
    إن للإيمان بيوتاً، وللنفاق يبوتاً،

    وإن بيت بني مقرن من بيوت الإيمان "

    "عبد الله بن مسعود"



    كانت قبيلةُ مُزَيْنَةَ تتخذُ منازِلَها قريباً من يَثْرِبَ على الطريقِ المُمْتَدَّةِ بين المدينةِ ومكَّةَ.

    وكان الرسولُ صلواتُ اللّهِ وسلامُه عليه قد هاجَر إلى المدينةِ، وجَعَلَتْ أخبارُه تَصِلُ تِبَاعاً إلى مُزَيْنَةَ معَ الغادِينَ والرائِحينَ، فلا تَسْمَعُ عنه إلاَّ خَيْراً.

    وفي ذاتِ عَشِيَّةٍ ، جَلَسَ سَيِّدُ القومِ، النعمانُ بنُ مقرِّنٍ المزنيُّ، في ناديه مع إِخْوَتهِ ومَشْيَخَةِ قبيلتهِ فقال لهم:

    يا قوم واللّهِ ما عَلِمْنا عن محمدٍ إِلاَّ خيراً، ولا سَمِعْنَـا من دَعْوَتِهِ إِلاَّ مَرْحَمَةً وِإحْساناً وعَدْلاً، فما بالُنا (1) نُبْطِئُ عنه، والناسُ إليه يُسْرِعون؟!

    ثم أتبعَ يقول:

    أما أنا فقد عَزَمْتُ على أن أغدُوَ (2) عليه إِذا أصْبَحْتُ، فمَنْ شاءَ منكم أنْ يكونَ مَعي فَلْيَتَجَهَّزْ.

    وكأنَّمَا مَسَّتْ كلماتُ النُّعْمَانِ وَتَراً مُرْهَفاً في نفوسِ القوم، فما إِنْ طَلَعَ الصباحُ حَتَّى وَجَدَ إِخْوَتَهُ العشرةَ، وأربَعَ مِائَةِ فارس من فرسانِ مُزَيْنَةَ قد جَهَّزوا أنفُسَهُمْ لِلْمُضِيِّ مَعَه إِلى يَثْرِبَ لِلِقَاء النبيِّ صلواتُ اللّه وسلامُه عليه، والدُّخول في دينَ اللّهِ.


    بَيْدَ أن (3) النُّعْمَانَ اسْتَحَى أن يَفِدَ مع هذا الجمع الحاشِدِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم دونَ أن يَحْمِلَ له وللمسلمين شيئاً في يَدِه.

    لكنَّ السَّنةَ الشَّهْبَاءَ (4) المُجْدِبَةَ التي مَرَّتْ بِها مُزَيْنَةُ لم تَتْرُكْ لها ضرْعاً (5) وَلا زَرْعاً.

    فطافَ النُّعْمَانُ بِبَيْتِهِ وَبُيُوتِ إِخْوَتِهِ، وجَمَعَ كُلَّ ما أبْقَاهُ لهمُ القَحْطُ من غُنَيْماتٍ ، وسـاقَها أمَامَهُ وقَدِمَ بها علَى رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ، وأعْلَنَ هو ومَنْ معه إِسلامَهم بينَ يَدَيْه.

    ***

    اهتَزَّتْ يثربُ من أقْصاهَا إِلى أقصاها فَرَحاً بالنُّعْمَانِ بنِ مُقَرِّنٍ وصَحْبِه، إِذْ لم يَسْبِقْ لِبَيْتٍ مِنْ بيوتِ العربِ أن أسْلَمَ منه أحدَ عَشَرَ أخاً من أبٍ واحدٍ ومَعَهُمْ أربعُ مائة فارِسٍ.

    وسُرَّ الرسولُ الكريمُ بإسلامِ النعمانِ أبلغَ السُّرورِ.

    وتَقَبَّلَ اللّه جَلَّ وَعَزَّ غُنَيْمَاتِهِ، وَأنْزَلَ فيهِ قرَآناً فقال:

    { وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤمِنُْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِر، وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللّهِ، وَصَلَوات الرَّسُولِ، ألاَ إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ في رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيمُ } (6) .

    ***


    انْضَوَى (7) النُّعْمَانُ به مُقَرنٍ تحتَ رايةِ رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وشَهِدَ معهُ غَزَوَاتِهِ كُلَّها غيرَ وانٍ (8) ولا مُقَصِّر.

    ولما آلتِ الخِلافَةُ إِلى الصِّدِّيقِ وقفَ معه هو وقومُه من بنى مُزَيْنَةَ وَقْفَةً حازِمَةً كان لها اثرٌ كبيرٌ في القَضاء على فِتْنَةِ الرِّدَّة.

    ***

    ولما صارَتِ الخِلاَفَةُ إِلى الفاروقِ كان للنعمان بنِ مقرِّنٍ في عهدِه شَأن ما يَزَالُ التاريخُ يَذْكُرُهُ بلسانٍ نَدِي بِالْحَمْدِ، رَطيبٍ بالثناءِ.

    ***

    فقُبَيْلَ الْقَادِسِيَّة، أرسلَ سعدُ بنُ أبي وَقَّاص قائدُ جيوشِ المسلمينَ وَفْداً إِلى كِسْرَى يَزْدَجُرْدَ بِرِئاسَةِ النُّعْمَانِ بنِ مُقَرِّنٍ لِيَدْعُوَهُ إلى الإسلامِ.

    ولما بلغوا عاصِمَةَ كِسْرَى في المدائِنِ استأذنوا بالدُّخولِ عليه فأذِنَ لهم، ثم دعَا التَّرجُمَانَ فقال له:

    سَلْهُمْ: ما الذي جاءَ بِكم إِلى دِيارِنا وأغرَاكُمْ (9) بِغَزْوِنَا؟! لَعَلَّكُمْ طَمِعْتُمْ بنا واجْتَرَأتمْ علينا لأنَنّاَ تَشَاغَلْنَا عَنْكُمْ، ولم نَشَأ أنْ نَبْطِشَ بكم.

    فالْتَفَتَ النعمانُ بنُ مُقَرِّنٍ إلى مَنْ مَعَهُ وقال: إنْ شئتم أجَبْتُهُ عنكـم، وِإنْ شاءَ أحدُكم أنْ يَتكَلَّمَ آثرْتُهُ (10) بالكلامِ، فقالوا:

    بل تَكَلَّمْ، ثم التَفَتُوا إلى كِسْرَى وقالوا هذا الرجلُ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِنَا فَاسْتَمِعْ إلى ما يقول.

    فَحَمِدَ النُّعْمَان اللّهَ وَأثنَى عليه، وصَلى على نَبِيِّهِ وَسَلّمَ، ثم قال:


    إِنَّ اللّهَ رَحِمَنَا فأرْسَلَ إِلينا رسولاً يَدُلُّنَا على الخيرِ ويأمُرُنا به، ويُعَرِّفُنَا الشَّرَّ وَيَنْهانا عنه.

    ووعَدَنا- إِنْ أجَبْنَاهُ إِلى ما دعانا إليه- أنْ يُعْطِيَنَا اللّهُ خَيْرَي الدنيا والآخِرة.

    فمـا هو إِلاَّ قليلٌ حتَّى بَدَّلَ اللّهُ ضِيقَنَا سَعَةً، وذِلَّتَنا عِزَّةً، وَعداوتِنا إخاءً ومَرحَمَةً.

    وقد أمرَنَا أنْ نَدْعُوَ الناسَ إلى ما فيه خيرهُمْ وأنْ نَبْدَأ بَمَنْ يجاورنا.

    فنحنُ ندعوكم إِلى الدخولِ في ديننا، وهو دين حَسَّنَ الحَسَنَ كَلَّهُ وحَضَّ (11) عليه، وقَبَّحَ الْقَبِيحَ كَلَّهُ وَحَذَّرَ منه، وهوَ يَنْقُلُ مُعْتَنِقيهِ (12) من ظلامِ الكُفرِ وجَوْرِه إِلى نورِ الإيمانِ وعَدْلِه.

    فإنْ أجبْتُمُونا إلى الإسلامِ خَلَّفْنا فيكم كتابَ اللّهِ وَأقَمْنَاكُمْ عليه، على أن تَحْكُمُوا بأحكامِه، ورَجَعْنَا عنكم وتَرَكْنَاكُم وشأنكم.

    فإنْ أبيْتُـمُ الدخولَ في دينِ اللّهِ أخذْنا منكـم الْجِزْيَةَ وَحَمَيْنَاكم، فإنْ أبَيْتُمْ إِعطاءَ الجِزْيةِ حارَبْناكم .

    فاسْتَشَاطَ (13) يَزْدَجرْدُ غَضَباً وغَيْظاً مِمَّا سَمِعَ، وقال:

    إني لا أعلمُ أمَّةً في الأرضِ كانت أشْقَى منكم ولا أقَلَّ عدداً، ولا أشَدَّ فُرْقَةً، ولا أسْوَأ حالاً.

    وقد كُنَّا نكِلُ أمْركم إلى وُلاَةِ الضَّوَاحِي فيأخذون لنا الطاعَةَ منكم.

    فإنْ كانت الحاجَةُ هي التي دَفَعَتْكُمْ إلى المجيء إلينا أمَرْنَا لكم بِقوتٍ إلى أن تُخْصِبَ ديَارُكم، وكَسَوْنَا سَادَتَكُمْ وَوُجوهَ قومِكم، ومَلَّكْنَا (14) عليكم مَلِكاً من قِبَلِنَا يَرْفُقُ بكم.


    فرَدَّ عليه رَجُلٌ من الوفدِ رَدّاً أشْعَلَ نارَ غَضَبِهِ من جديدٍ فقال:

    لولا أن الرُّسُلَ لا تُقْتلُ لَقَتَلْتُكُـم.

    قوموا فليس لكم شَيْءٌ عندي، وأخْبِرُوا قائِدَكم أنِّي مُرْسِل إِلَيْهِ "رُسْتُم "(15) حتَّى يَدْفِنَهُ وَيَدْفِنكُـم معاً في خَنْدَقِ الْقَادِسِيَّةِ (16).

    ثم أمَرَ فَأتِيَ لَهُ بِحِمْلِ تُرَابٍ ، وقال لِرِجالِه: حَمِّلوهُ على أشْرَف هؤلاءِ، وسوقوه أمامَكـم على مرأىً من النَّاسِ حتى يَخْرُجَ من أبوابِ عاصمةِ مُلْكِنَا. فقالوا للوفد:

    مَنْ أشْرَفُكُمْ؟ فبادرَ إِليهم عاصِمُ بنُ عُمَرَ وقال: أنا.

    فَحَمَّلُوهُ عليه حتى خَرَجَ مِنَ المدائِنِ، ثم حَمَّلَهُ عَلَى ناقَتِهِ وأخَذَه معه لِسَعْدِ بنِ أبي وَقَّاص، وَبَشَّرَهُ بِأن اللّهَ سَيَفْتَحُ علَى المسلمين دِيَارَ الفرْسِ وَيُمَلِّكُهُمْ تُرَابَ أرضِهم.

    ثم وقعت معركةُ القادسيةِ، واكْتَظَّ (17) خَنْدَقُها بِجُثَثِ آلافِ الْقَتْلَى، ولكِنَّهُم لم يكونوا من جُنْدِ المسلمين، وِإنَّما كانوا من جنودِ كِسْرَى.

    ***

    لَمْ يَسْتَكِنِ الفرْسُ لِهَزيمَةِ القَادِسِيَّةِ، فجَمَعوا جموعَهم، وَجَيَّشُوا جُيوشَهم حتَّى اكْتَمَلَ لهم مِائةٌ وخَمْسُونَ ألْفاً من أشِدَّاءِ الُمقاتلين.

    فلما وَقَف الفاروقُ على أخبارِ هذا الحَشْدِ العظيمَِ، عَزَمَ علَى أنْ يَمْضِىَ إِلى مواجهةِ هذا الخطرِ الكبير بنفسِه.

    ولكِنَّ وجوهَ المسلمين ثَنَوْهُ (18) عن ذلك، وأشاروا عليه أن يُرْسِلَ قائدا يُعْتَمدُ عليه في مِثْلِ هذا الأمرِ الجَلِيل.



    فقال عمرُ:

    أشيروا عَلَىَّ برجل لأُوَلِّيَه ذلك الثَّغْرَ.

    فقالوا:

    أنتَ أعلمُ بجُنْدِكَ يا أميرَ المؤمنين.

    فقال:

    واللّهِ لأوَلِّيَنَّ على جُنْدِ المسلمين رجلاً يكونُ- إِذا الْتَقَى الْجَمْعَانِ- أسْبَقَ من الأسِنَّةِ، هو النُّعْمانُ بنُ مُقَرِّنٍ المُزَنيّ.

    فقالوا:

    هو لها.

    فكتبَ إِليه يقول:

    من عبدِ اللّهِ عمرَ بنِ الخطابِ إلي النُّعْمَانِ بنِ مُقَرِّن.

    أما بعد. فإِنَّه بَلَغَني أن جموعاً من الأعاجم كثيرَةً قد جَمَعوا لكُـمْ بمدينةِ "نَهاوَنْد". فإذا أتاكَ كتابي هذا فَسِرْ بِأمْرِ اللّهِ، وَبِعَوْنِ اللّهِ، وَبِنَصرِ اللّهِ بَمَنْ مَعَكَ من المسلمين، ولا تُوطِئْهُمْ وَعْراً فُتؤذِيَهم.. فإن رجلاً واحداً من المسلمين أحب إِليَّ من مائة ألف دينار والسلام عليك.

    هب النعمان بجيشه للقاء العدو وأرسل أمامه طلائع من فرسانه لتكشف له الطريق. فلما اقْتَرَبَ الفرسانُ من "نَهَاوَنْدَ" تَوَقَّفَتْ خيولُهم، فدفعوها فلم تَنْدَفِعْ، فَنَزَلوا عن ظُهورِها ليعرِفوا الخَبَرَ فوجدوا في حَوافِرِ الخيل شظَايا من الحديدِ تُشبِهُ رؤُوسَ المسـامير، فَنَظَروا في الأرضِ فإذا الْعَجَـمُ قد نَثَرُوا في الدُّروبِ المُؤدِّيَةِ إلى "نَهَاوَنْدَ" حَسَكَ الحديدِ، لِيَعُوقوا الفُرْسانَ والمُشاة عنِ الوُصولِ إليها.

    ***


    أخبرَ الفُرْسانُ النعمانَ بما رَأوْا، وطَلَبُوا مِنْه أنْ يُمِدَّهُم بِرَأيِه، فَأمَرَهُمْ بِأنْ يَقِفوا في أماكِنِهم، وأن يوقِدوا النيرانَ في الليلِ لِيَرَاهُم الْعَدُوُّ، وعندَ ذلك يتظاهرونَ بالخوفِ منه والهزيمَةِ أمَامَه لِيُغْرُوهُ باللَّحَاقِ بهم وإزالَةِ ما زَرَعَه من حَسَكِ الحديدِ.

    وجازَتِ الحيلةُ على الفُرْسِ، فما إِنْ رأوا طَلِيعَةَ جيش المسلمين تَمْضى مُنْهَزِمَةً أمَامَهم حتَّى أرسـلوا عُمَّالَهُمْ فكَنَسُوا الطُّرُقَ مِنَ الحَسَك، فكَرَّ عليهمُ المسلمونَ واحْتَلُّوا تلكَ الدُّروبَ.

    ***

    عَسْكَرَ النعمانُ بنُ مُقَرِّنٍ بِجَيْشِهِ على مَشارِفِ "نَهَاوَنْدَ" وعَزَمَ على أن يُبَاغِتَ عَدُوَّهُ بالُهجوم، فقال لجنودِه:

    إني مُكًبِّرٌ ثلاثاً، فإذا كَبَّرْتُ الأولى فَلْيَتَهَيَّأ مَنْ لَمْ يَكُنْ قد تَهَيَّأ، وإذا كَبَّرْتُ الثَّانِيَةَ فَلْيَشْدُدْ كَلُّ رجل منكم سِلاحَهُ على نفسِه، فإذا كَبَّرْتُ الثالثةَ، فإِنِّي حامِلٌ على أعْداءِ اللّهِ فاحْمِلوا معي.

    ***

    كَبَّرَ النعمانُ بنُ مُقرِّنٍ تَكْبيراتِه الثلاث، واندفعَ في صفوفِ العدوِّ كأنَّه الليثُ عادِياً، وتدفَّقَ وراءه جنودُ المسلمين تَدَفّقَ السَّيْل، ودارتْ بينَ الفريقيْنِ رَحَى معركة ضَروس قَلَّما شَهِدَ تاريخُ الحروبِ لها نظيراً.

    فتمزَّقَ جيشُ الفرسِ شَرَّ مُمَزَّقٍ ، ومَلأتْ قَتْلاهُ السهلَ والجبل. وسالَتْ دِماؤه في الممرَّاتِ والدُّروب، فَزَلِقَ جوادُ النعمانِ بنِ مُقَرنٍ بالدِّماءِ فَصُرعَ، وأصيبَ النعمانُ نفسُه إصابةً قاتِلَةً، فأخذَ أخوهُ اللواءَ من يَدِهِ، وسَجَّاهُ (19) بِبُردةٍ كانت معه وكَتَمَ أمْرَ مَصْرَعِهِ عن المسلمين.

    ولما تَمَّ النصرُ الكبيرُ الذي سَمَّاهُ المسلمونَ "فَتْحُ الفتوح".

    سَألَ الجنودُ المُنْتَصِرون عن قائِدِهم الباسِل النعمانِ بنِ مقرِّنٍ .


    فَرَفَعَ أخوهُ البُرْدَةَ عنه وقال:

    هذا أميرُكُم، قد أقرَّ اللّهُ عَيْنَهُ بالفَتْح، وخَتَم له بالشهادة (*).
     
  3. zoya_y

    zoya_y عضو جديد

    التسجيل:
    ‏26 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    9,261
    عدد الإعجابات:
    4
    مكان الإقامة:
    DREAM WORLD
    ماشاءالله عليك اوخيي
    مجهود تشكر عليه بارك الله فييك :)