صمخ النواخذه

الموضوع في 'إستراحة المنتدى' بواسطة blue chipper, بتاريخ ‏10 أغسطس 2010.

  1. blue chipper

    blue chipper عضو نشط

    التسجيل:
    ‏23 فبراير 2010
    المشاركات:
    2,195
    عدد الإعجابات:
    49

    صمخ النواخذه

    [​IMG]

    1

    في لسان العرب، الصماخ من الإذن، هو الخرق الباطن الذي يفضي إلى الرأس، ويقال إن الصماخ هو الإذن نفسها.

    2

    غالباً ما يكون المثل الشعبي صادراً عن فطرة الناس، التي ما إن تضع يدها على الجرح حتى يتفاقم الوجع، ثم لا يهدأ الشخص حتى ينال العلاج الناجع .

    كان والدي، كلما غفلتُ عن ندائه، أو لم أسمعه لأول وهلة، صرخ بي غاضباً (وصمخ النواخذه). وظل يردد لي هذا القول، حتى فاضَ بي الأمر يوماً، فوقفت أمامه مسمّراً، بين الأمر وبين الواقع، معلناً أنني لن أذهب قبل أن أعرف معنى هذا القول .

    3

    جَلجَلَ والدي بضحكة نادرة لفرط المفاجأة . ثم استدرك بقليل من التجهم وهمّهمَ " المعنى ؟! ".
    كمن اكتشف أنه لم يسبق له أن فكّر في المعنى . فالمثل عندهم يجري مثل ماء الحياة، إنه جزء من الحياة، وليس للحياة تفسير مباشر يمكن الكلام عنه. إنها حياة فحسب.
    لكنه رفع رأسه في وجهي بغتة، كمن برقت في ذهنه الفكرة ."لقد كانوا لا يسمعون إلا ما يريدون سماعه، وهذا ضربٌ من التجاهل بحجة الطرش المفتعل فيما كنا نحتاج لمن يسمعنا ".

    لقد حاول أن يوجز المسألة، معبراً عن الحالة الشعورية التي كان الغواصون يعانونها أثناء العمل على السفينة، وهم تحت سلطة النوخذه، تلك االسلطة التي لا ترى في رجال الغوص غير أدوات لتوفير أكبر قدر من اللؤلؤ، أي تكديس الثروة للمزيد من الإستغلال.

    وحين يقول البعض بأن نواخذة الغوص لم يكونوا على هذه الدرجة من القسوة .سأتأكد بأن تجربتي مع والدي تشي بعكس ذلك، فهو لم يحدثني عن نوخذه طيب أبداً ، ربما لأنه لم يصادف غير القساة منهم. وهو لم يكن يبالغ على كل حال، فقد كان يعيش حياة، حرص على أن تكون هي الإرث الكثيف الذي عليَّ أن أستلم مقاليده من بعده.

    4

    .. ثم أخذ يسرد الأساطير.

    ليس ثمة معنى واحد في أصل هذا المثل. فقد قيل إن المثل جاء إثر حادثة غاية في الطرافة. حيث تقول الأسطورة أن أحد النواخذه على درجة من الجشع بحيث كان يبتكر الوسائل لإخفاء حقيقة حجم حصيلة اللؤلؤ الذي يخرجه البحارة من الأعماق، ويقوم بتسريب ما يستطيع من الآلئ بعيداً عن بصر وعلم البحارة أثناء إنشغالهم بالغوص وفلق المحاّر، وقيل إنه كان يقترح على الرجال أن يقوموا بفلق المحار مساءً بعد تناول العشاء، تحت ضوء القمر، إذا كانت الليلة مقمرة، أو في ضوء السراج الضئيل الذي يحجب أكثر مما يكشف. وكان ينتهز الفرص ليخفي لؤلؤة هنا وأخرى هناك، بعيداً عن الأعين، ليعلن للبحارة، في نهاية المطاف، حصيلة متواضعة، غير التي يحملها إلى صاحب السفينة. الأمر الذي كان يثير استغراب الغواصين وهم يشعرون بخسارة فادحة، دون أن يقدروا على إعلان ذلك، خشية أن يقعوا ضحية إتهام يفتقر للأدلة.

    وتواصل الأسطورة لتقول أن ذلك النوخذه بوغت ذات مرة بأحد البحارة وهو يحملق في لؤلوة كبيرة الحجم، اكتشفها بحار آخر، وما أن بدأت اللؤلؤة تنتقل من يد ذلك البحار عبر الأيدي الأخرى، لتصل أخيراً إلى كفّ النوخذه، والبحار الأول يتابعها محملقاً ليعرف مستقرها. حتى ارتبك النوخذه وهو يبحث عن مكان لإخفاء اللؤلؤة، فما كان منه إلا أن وضعها في أذنه، ثم راح يضلل العينين الراصدتين .

    تقول الأسطورة، أنه عندما ذهب النوخذه إلى فراشه لينام، مدّ أصابعه ليخرج اللؤلؤة من أذنه فتعذّر عليه ذلك. وحاول مرة أخرى لكن نعومة اللؤلؤة جعلتها تنزلق بفعل دفع الأصابع إلى داخل الأذن، شعر النوخذه بالمأزق، فجلس على فراشه وتناول المفلقة محاولاً أن يخرج بها اللؤلؤة من مكمنها، لكن تلك الحركة كانت كافية لدفع اللؤلؤة أكثر إلى (الخرق الباطن الذي يفضي إلى الرأس)، بحيث انتابه ألم فضيع، يَشي بأن ثمة عطب دام قد حدث لطبلة أذنه. لكنه لفرط دقة الموقف وحرجه الشديد ، وضع رأسه تحت الوسادة وتكبّد الألم حتى الصباح.


    وفي ذلك الصباح، تقول الأسطورة، بدأ شعور غريب ينتاب البحارة، وهو أن النوخذه لم يعد يستجيب لندائاتهم ، ليكتشفوا أنه لم يعد يسمع منهم شيئاً. وقيل إن النوخذه قد استعذب ما حدث له، وأخذ يتصرف كما لو أنه لا يسمع شيئاً مما يدور حوله. وفيما كان يحاول تفادي انكشاف أمره، كانت أذنه تتعرض للتلف دون أن يجرؤ على الإفصاح عن السبب خشية الفضيحة. وظل محتفظاً بالأمرين معاً، سرّ اللؤلؤة المسروقة وتجاهله لكل ما يطلبه البحارة من حقوقهم . ومن ذلك قيل إن صمخ النواخذه كان الطريق الذهبية المحفوفة بالجشع وشهوة السلطة.

    5

    ثمة أسطورة ثانية تقول بأن الطرش كان يحدث قبل أن يدخل النوخذه إلى الغوص. فمن أساليب إعداد النوخذه ليكون جديراً بقيادة السفينة والغواصين في صرامة وحزم، لابد أن يجتاز امتحاناً قاسياً يجعله مؤهلاً لتلك المهمة. ويقال إن أصحاب السفينة كانوا يأخذون النوخذه المرشح إلى غرفة مظلمة محكمة الأبواب، ويضربونه على أذنه ضربة قوية بقطعة من خشب الساج الصلب على شكل قمع، بحيث تتعرض الأذن للتلف، فلا يعود يسمع منها شيئاً، وهذا ما يجعله قادراً على تفادي مطالب البحارة وتظلماتهم أو عدم الإكتراث بما يقولونه، بحجة أنه (أصمخ) لا يسمع شيئاً. وهذا ما عرف فيما بعد (بصمخ النواخذة) بوصفة امتيازاً.

    6

    لكن هناك من يشكك في هاتين الروايتين، شأنه شأن الذي لا يؤمن بأساطير يصوغها خيال العامة، وهم يذهبون إلى تبرير ما يحدث لهم بالغيب والخرافة. فيقول هؤلاء عن واقع يتصل بطبيعة العلاقات الإجتماعية في سفينة الغوص، زاعمين بأن صمخ النواخذه هو إشارة إلى الدور الذي كان يقوم به (المجدمي) في موقعه، بوصفه شخصاً وسيطاً بين البحارة والنوخذه. ويقول هؤلاء بأن (المجدمي) سوف يقصر دوماً عن القيام بدوره الإيجابي في هذه العلاقة. فأما لأنه يتراخى ويستهين في توصيل مطالب البحارة، أو أنه لا يفعل ذلك على الإطلاق. وبهذا يكون (المجدمي) بمثابة الأذن التي تسمع (أو لا تسمع) كلام البحارة للنوخذه. وهو بالتالي ليس أكثر من وسيلة فاسدة عاجزة عن التوصيل. وربما أراد هؤلاء الإشارة إلى البطانة التي تمنع وصول الحقيقة إلى صاحب الشأن. و(صمخ النواخذه) في هذا السياق، هو ما يصيب الوسائل من عطب وفساد وغياب كامل.

    7

    ..فقلت لوالدي : " وهل ترى أن هذا المثل يصلح أن يقال الآن ؟"
    فأجاب : " بالطبع ، إنه المثل الوحيد الذي لا يتوقف الواقع عن تأكيده يوماً بعد يوم، فإن أحداً لا يريد أن يسمع الآخر في هذا الزمان ".

    وقبل أن أذهب إلى مكان أخر ، أتذكر صديقاً ، كان يردد أمامي مثلاً آخر لا ينسى، حيث كان يقول : " تستطيع أن توقظ النائم ، لكن من يتظاهر بالنوم لا يمكنك إيقاظه ".*



    منقول