سمةُ المؤمنِ خلو نفسه من نزعة الانتصار للنفس و التشفي لحظوظها.

الموضوع في 'إستراحة المنتدى' بواسطة محب التوحيد, بتاريخ ‏13 أغسطس 2007.

  1. محب التوحيد

    محب التوحيد عضو نشط

    التسجيل:
    ‏9 فبراير 2005
    المشاركات:
    1,933
    عدد الإعجابات:
    15
    حتى يعفو ويصفح الله عنا

    سمةُ المؤمنِ الصالحِ الهينِ اللينِ، الذي يريد اللهَ و الدارَ الآخرة، خلو نفسه من نزعة الانتصار للنفس و التشفي لحظوظها، و إيثار رضوان ربه، و الطمع في غفرانه، و رغبة في الصفح عنه. فقد رُزق نفس رضية، تُؤثر الآجل على العاجل، و تنفُذُ بقوة إلى شغاف قلوب الناس، فتقودهم إلى تمَّثل الحق و الدفاع عنه، والوقوف وقفة إجلال و إكبار لمن كان هذا هديه و ديدنه.

    لقد اقترن خلق الصفح بالعفو في القرآن في آيات منها:

    1- {فاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

    2- {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

    3- {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

    و تفرد خلق الصفح في آيات منها:

    1- فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

    2- فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ. أي: الذي لا عتاب معه.


    تعريف العفو:

    العفو: ترك المؤاخذة بالذنب.

    تعريف الصفح: إزالة أثره من النفس.

    التثريب: التقريع والتقرير بالذنب.

    أولاً: يوسف - عليه السلام - والصفح:

    بعد أن أعترف إخوة يوسف - عليه السلام - بخطئهم تجاه يوسف و أخيه قال الله على ألسنتهم:

    { قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}.

    قال - تعالى -على لسان يوسف - عليه السلام -: { قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.

    أي: لا ألومكم، فسمح لهم سماحاً تاماً من غير تعيير على ذكر الذنب السابق، فقد انتهى الأمر من نفسه و لم يعد له جذور، و دعا لهم بالمغفرة و الرحمة.

    و هذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتى إلا من خواص الخلق و خيار المصطفين، و شيم الرجل الكريم.

    و في الآية فوائد منها:

    * قمة الشجاعة في الاعتراف بالخطأ و الانتصار من النفس و عدم التبرير.

    * العفو و الصفح لمن اعترف بالخطأ.

    * معاملة عبيده - سبحانه وتعالى- بالعفو و الصفح حتى يعاملنا بذلك.

    * الدعاء بالمغفرة لمن أساء إلينا.



    رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و العفو و الصفح:

    سُئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: " لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح".



    من صور عفوه و صفحه - صلى الله عليه وسلم -:

    * كان - صلى الله عليه وسلم - مأموراً بالصفح عن الجاهلين.

    * صفحه - صلى الله عليه وسلم - عن الذين أساءوا ومقابلتهم بالمن والإحسان عند فتحه مكة.

    * موقفه من الأعرابي الذي جذبه من ثوبه حتى أثرت في عنقه و حلمه - صلى الله عليه وسلم - وصبره على الأذى في النفس والمال والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام وليتأسى به الولاة بعده في خلقه الجميل من الصفح والإغضاء والدفع بالتي هي أحسن.

    * عفوه عن عبد الله ابن أبي زعيم المنافقين العدو الدود الذي كان يتربص بالمسلمين و يحيك لهم المؤامرات و هو الذي أشاع حادث الإفك على أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -.

    * قال بعض أهل التفسير أن أبا جهل لعنه الله كان يؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - له مبغضاً يكرهه ويكره رؤيته فأمره الله - تعالى -بالعفو والصفح و ذلك في الآية: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}.



    أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - و الصفح:

    قال - تعالى -: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

    نزلت في أبي بكر حلف أن لا ينفق على مسطح ابن أثاثه وهو ابن خالته مسكين مهاجر بدري لما خاض في الإفك بعد أن كان ينفق عليه.

    هنا نتطلع إلى أفق عال من آفاق النفوس الزكية، التي تطهرت بنور الله، أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق.

    أبي بكر الذي مسه حديث الإفك في أعماق قلبه، و الذي احتمل مرارة الاتهام لبيته و عرضه فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو، و ما يكاد يلمس وجدانه ذلك السؤال الموحي:

    {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، حتى يرتفع على الآلام، و يرتفع على مشاعر الإنسان، ويرتفع على منطق البيئة، وحتى تشف روحه و ترف و تشرق بنور الله.

    فإذا هو يلبي داعي الله في طمأنينة و صدق فيقول: "بلى و الله إني لأحب أن يغفر الله لي".

    و يعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، ويحلف: " و الله لا أنزعها منه أبداً "، ذلك مقابل ما حلف: " و الله لا أنفعه بنافعة أبداً ".



    فهذا السؤال الموحي لأبي بكر استثار وجدانه، و سمت نفسه بالعفو والصفح، وآثر الباقي على العاجل. آثر غفران الله يوم القيامة، على الانتصار للنفس في الدنيا، فكان عاملاً من عمال الآخرة - رضي الله عنه -.

    وفي الآية فوائد:

    1- أنها دليل على النفقة على القريب.

    2- أنه لا تُتْرك النفقة و الإحسان بمعصية الإنسان.

    3- الحث على العفو و الصفح و لو جرى من الإنسان ما جرى من أهل الجرائم.

    4- تذكير المُبتلى أو المظلوم بغفران الله و صفحه له إذا غفر وصفح عن عبيده.



    السلف و العفو و الصفح:

    قال الحسنُ بن علي - رضي الله عنه -: " لو أنَّ رجلاً شَتَمَني في أُذني هذه و اعتذر في أُذني الأخرى قبلتُ عذره ".

    و قال جعفرُ الصادق: "لأن أندم على العفو عشرين مرة أحبُ إلىَّ من أن أندم على العقوبة مرة واحدة ".

    و قال الفضيلُ بن عياض: " إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً فقل: يا أخي اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفوَ، ولكن انتصر كما أمرني الله - عز وجل - فقل له إن كنت تُحسِن الانتصار و إلا فارجع إلى العفو، فإنه باب واسع، فإنه من عفَا و أصلحَ فأجره على الله، و صاحب العفو ينام على قلب سليم، و صاحب الانتصار يُقلب الأمور، لأن الفُتُوة هي العفو عن الإخوان ".



    تُفتح أبواب الجنة بالصفح و الغفران:

    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنّةِ يَوْمَ الاثنين، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ. فَيُغْفَرُ لِكُلّ عَبْدٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللّهِ شَيْئاً. إِلاّ رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ. فَيُقَالُ: أَنْظُرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا. أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا. أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتّىَ يَصْطَلِحَا).

    قال القاضي: قال الباجيمعنى: " فتحها كثرة الصفح والغفران ورفع المنازل وإعطاء الثواب الجزيل".



    الله - عز وجل - عظيم العفو كريم الصفح:

    عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نزل جبريل - عليه السلام - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحسن صورة لم ينزل في مثلها قط ضاحكاً مستبشراً فقال: السلام عليك يا محمد قال: وعليك السلام يا جبريل قال: إن الله بعثني إليك بهدية كنوز العرش أكرمك الله بهن قال: وما تلك الهدية يا جبريل فقال جبريل قل: " يا من أظهر الجميل وستر القبيح يا من لا يؤاخذ بالجريرة ولا يهتك الستر يا عظيم العفو يا حسن التجاوز يا واسع المغفرة يا باسط اليدين بالرحمة يا صاحب كل نجوى ويا منتهى كل شكوى يا كريم الصفح يا عظيم المن يا مبتدئ النعم قبل استحقاقها يا ربنا ويا سيدنا ويا مولانا ويا غاية رغبتنا أسألك يا الله أن لا تشوي خلقي بالنار.



    الواجبات العملية:

    1- العفو و الصفح عمن أساء إلينا رغبة في عفو الله و صفحه.

    2- الدعاء بالصيغة السابق ذكرها في أوقات الدعاء المستجابة.


    الشيخ توفيق علي
    10-05-2006
     
  2. الشاطر

    الشاطر عضو نشط

    التسجيل:
    ‏20 يونيو 2004
    المشاركات:
    1,357
    عدد الإعجابات:
    4
    جزاك الله خير
     
  3. jemee

    jemee عضو جديد

    التسجيل:
    ‏21 أغسطس 2006
    المشاركات:
    1,470
    عدد الإعجابات:
    0
    بارك الله فيك

    دايما مواضيعك مفيده
     
  4. yoyo1983

    yoyo1983 عضو نشط

    التسجيل:
    ‏22 ابريل 2007
    المشاركات:
    22,658
    عدد الإعجابات:
    22
    مكان الإقامة:
    DaMBy
    جزاك الله خير